ما يجري في المسجد الأقصى والقدس الشريف خطير : ولقد صحا العالم ومايزال العرب والمسلمون في غفوتهم ! ============== ✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
ما يجري في المسجد الأقصى والقدس الشريف خطير :
ولقد صحا العالم ومايزال العرب والمسلمون في غفوتهم !
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب

ما يجري اليوم في المسجد الأقصى والقدس الشريف ليس مجرد اقتحامات عابرة ، ولا طقوساً دينية يؤديها مستوطنون متطرفون في مكان مقدس ؛ وإنما هو جزء من مشروع سياسي وعقائدي متكامل يستهدف تغيير هوية القدس ، وفرض واقع جديد على المسجد الأقصى ، وصولاً إلى إعادة تعريف المكان ومكانته وحدوده ووظيفته في الوعي العربي والإسلامي .
لقد شهد المسجد الأقصى خلال الأسابيع الأخيرة اقتحامات متكررة ، شارك فيها مستوطنون بأعداد كبيرة ، تحت حماية الشرطة الإسرائيلية ، ومارس بعضهم طقوساً دينية يهودية داخل ساحاته ، في انتهاك متواصل وممنهج للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد ، وقد تجاوز عدد الاقتحامات في أغسطس وحده خمسة آلاف اقتحام وفق بيانات محافظة القدس ، فيما شهد سبتمبر اقتحامات أخرى شارك فيها مئات من قطعان المستوطنين .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : ماذا يعني اقتحام بني صهيون للمسجد الأقصى ؟
يعني ، في أبسط دلالاته ، أن المشروع الصهيوني لم يعد يكتفي باحتلال الأرض وتهجير أهلها ، وإنما يتقدم نحو السيطرة على المقدسات وإعادة صياغة هوية المكان .
فالقدس بالنسبة للصهيونية الدينية ليست مجرد مدينة ، والأقصى ليس مجرد مسجد ؛ وإنما هو مركز لصراع على التاريخ والهوية والسيادة والرواية الحضارية .
وهنا تكمن خطورة ما يحدث .
فأمة المسلمين يبلغ عددها أكثر من ملياري مسلم ، يشكلون نحو ربع سكان البشرية ، ومع ذلك يعجزون بشعوبهم ودولهم وزعاماتهم وجيوشهم ومواردهم عن الدفاع عن مقدساتهم ، وفي مقدمتها حرم المسجد الأقصى الشريف !
لماذا تعجز أمة الإسلام عن مواجهة المشروع اليميني الصهيوني بشقيه المسيحي الإنجيلي واليهودي الليكودي ؟
إن المسألة لا تكمن في نقص في العدد أو الموارد .
فالأمة الإسلامية تمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية والجغرافية والجيواستراتيجية ما يجعلها قوة دولية كبرى لو امتلكت الإرادة السياسية والرغبة والحمية ، ونسقت مواقف دولها ، وحولت ثقلها الديموغرافي والاقتصادي إلى قوة تأثير حقيقية .
لكنها تبلغ حداً بعيداً من العجز غير المبرر ، وتغيب في وقت أفاق فيه العالم وحضر .
أفاق العالم ولم يفق المسلمون لرؤية ما يجري .
صحا العالم من وقع وهول جرائم الحرب والدمار والقتل والتجويع التي يشهدها الفلسطينيون ، وأصبحت مشاهد غزة حاضرة في ضمير شعوب لم تكن ، إلى وقت قريب ، ترى القضية الفلسطينية إلا من خلال الرواية الإسرائيلية .
وصحا العالم من هول مشاهد الإبادة والحصار والقتل والتجويع والتهويد والغطرسة والعنصرية ، بينما بقي جزء كبير من العالم العربي والإسلامي أسير البيانات التقليدية والإدانات البروتوكولية والمواقف العاجزة والمنبطحة .
صحا العالم ، وأقبل زرافات ووحدانا ، في الشوارع والجامعات والميادين ، يشهد علي بشاعة ما يجري ويطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها دون ان يخشي علي نفسه من عواقب مخالفة قوانين معاداة السامية .
وصحت دول غربية طالما ساندت ميلاد إسرائيل ووجودها وافعالها الغاشمة ، فسارعت دول منها إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية تحت ضغط سياسي وشعبي متزايد ، في تحول عكس اتساع الفجوة بين الموقف الرسمي السابق والمزاج الشعبي العالمي .
فقد اعترفت بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا والمانيا واسبانيا وغيرها بالدولة الفلسطينية في 2025م ، في سياق ارتبط بصورة مباشرة بتفاقم الكارثة الإنسانية في غزة .
وصحت الشعوب في أمريكا وأوروبا ، وخرجت إلى الشوارع تندد بالمجازر في غزة وبيروت ، وتطالب حكوماتها بمراجعة سياساتها تجاه إسرائيل .
وصحا قادة العالم وهم يتبارون في التعبير عن مواقفهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأخيرة ، بل ان بعض الدول الغربية مثل بريطانيا واسبانيا وهولندا بلغت مرحلة توقيع عقوبات اقتصادية علي المستوطنين في الكيان المغتصب ووصفتهم بالارهابيين !
وردت إسرائيل علي ذلك باستدعاء وطرد دبلوماسيين غربيين وهو تطور دراماتيكي مهم .
بينما ظل العرب
والمسلمون عاجزين عن تبني استراتيجية سياسية ودبلوماسية واقتصادية مؤثرة في مواجهة جرائم إسرائيل !
وفي مشهد الجمعية العامة الأخيرة ، انسحبت وفود عديدة أثناء خطاب نتنياهو ، بينما بقي آخرون في القاعة ومنهم عرب ؛ بعضهم صفق ، وبعضهم غادر احتجاجاً او خجلا من التصوير .
وقد نقلت تقارير صحفية مشهد الانسحابات والاحتجاجات الواسعة التي أحاطت بخطابه .
أما نتنياهو المجرم ، المطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ، فقد جاء إلى نيويورك من الباب الخلفي وألقى خطابه متحدياً منتقديه الكثر من الشرق والغرب ، في وقت كان يواجه فيه أيضاً تهديداً سياسياً وإعلامياً بالاعتقال من عمدة نيويورك المسلم زهران ممداني !
وقد خرج من نيويورك علي عجل كسيرا ذليلا الي عاصمة عربية إسلامية ليجد فيها المواساة والسلوي قبل أن يعود الي مضجعه !
وهنا تصبح القضية أكبر من نتنياهو ، وأكبر من حكومة إسرائيل .
إنها قضية أمة فقدت القدرة والرغبة على استخدام عناصر قوتها .
فالأقصى لا يحتاج إلى بيانات جديدة ، وإنما يحتاج إلى إرادة سياسية تحميه .
والقدس لا تحتاج إلى خطب موسمية ، وإنما تحتاج إلى استراتيجية عربية وإسلامية تجعل المساس بوضعها ومقدساتها قضية دولية وخطيرة لا يستطيع الاحتلال تمريرها بالأمر الواقع .
إن الصمت العربي والإسلامي أمام ما يجري لا ينبغي أن يتحول إلى قدر دائم .
وإذا كان العالم قد صحا ، فإن الواجب على العرب والمسلمين أن يصحوا أيضاً ؛ لا بالشعارات وحدها ، ولا بالغضب العاطفي المؤقت ، وإنما ببناء موقف جماعي وحلف يستثمر القوة الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والشعبية للأمة في الدفاع عن القدس والأقصى وحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب المسلمة .
فالمسجد الأقصى ليس قضية الفلسطينيين وحدهم ولكنها قضية داخلية وعقدية لكل بلد مسلم .
كما أن القدس ليست شأناً محلياً .
إنها قضية إنسانية عالمية وحقوقية وسياسية ترتبط بميراث حضاري وإنساني اسلامي ومسيحي يتجاوز حدود فلسطين .
والسؤال الذي سيبقى معلقاً في أعناق هذه الأمة ليس : ماذا فعل الصهاينة بالأقصى ؟
بل : ماذا فعلنا نحن والأقصى يُقتحم أمام أعيننا ؟ والعدوان قد بلغ أشده من العلو والاستكبار ليشمل رقعة واسعة من بلداننا العربية والإسلامية ابتداء من فلسطين ولبنان واليمن والسودان وليس انتهاء بايران !
ذلك هو السؤال الذي سيكتبه التاريخ ، ولن تجيب عنه البيانات ولا الخطب ، وإنما المواقف وعلي قدر أهل العزم تأتي العزائم
