منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار
منال الأمين الفادني تكتب: عامان على رحيل زوجها شهيدا باذنه تعالي وما زال الفقد موجعاً وبرغم التوقع .. عبد المعز حسين مكابرابي الإعلام السوداني ..من دائرة الرد إلي منصة المبادرة (إطار ال... من نيويورك إلى الخرطوم... ماذا تكشف أزمة تأشيرة البرهان؟ د. ميمونة سعيد ابورقاب باحثة استراتيجية وكا... ما يجري في المسجد الأقصى والقدس الشريف خطير : و​لقد صحا العالم ومايزال العرب والمسلمون في غفوتهم ! ... وجه الحقيقة د. إبراهيم شقلاوي ================ الجامعة.. أزمة اختيار أم أزمة دولة؟ البعد_الاخر د. مصعب بريــر القضارف تحرق "الموت الصامت": درعٌ استباقي يغلق أبواب الكارثة ..! سنا الحقيقة عندما تكون الكرامة الوطنية حاضرة… يصبح الصمت موقفاً والانسحاب رسالة. د/ أميرة كمال مصطفى ألسنة وأقلام* *يوميات عائد إلي الخرطوم* *الحلقة الثالثة - العودة إلى سنار (٣)* *د. بابكر إسماعيل* وقل اعملوا د/ عبد الله جماع ================= متى نتعلم من الأيام؟ خبر و تحليل | عمار العركي ================= اليوم السادس للحرب الإثيوبية: اتساع الجبهات.. ضرب العمق...

من نيويورك إلى الخرطوم… ماذا تكشف أزمة تأشيرة البرهان؟ د. ميمونة سعيد ابورقاب باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

0

من نيويورك إلى الخرطوم… ماذا تكشف أزمة تأشيرة البرهان؟
د. ميمونة سعيد ابورقاب
باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

لم تكن أزمة تأشيرة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان لدخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مجرد تفصيل بروتوكولي عابر. فالقرار، الذي جاء في لحظة دقيقة من مسار الحرب السودانية، فتح الباب أمام أسئلة سياسية واستراتيجية تتجاوز مسألة حضور مسؤول سوداني إلى مقر الأمم المتحدة، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الخرطوم وواشنطن، وحدود الضغط الأمريكي، ومستقبل التسوية السياسية للحرب.
بحسب ما أوردته وكالة رويترز، امتنعت الولايات المتحدة عن إصدار تأشيرة للبرهان قبل مشاركته المقررة في الجمعية العامة، فيما طلب السفير السوداني لدى الأمم المتحدة تدخل الأمين العام أنطونيو غوتيريش. وأشارت مصادر نقلتها رويترز إلى أن إصدار التأشيرة بدا مرتبطاً بموقف البرهان من مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً. كما أكدت الأمم المتحدة أنها أثارت المسألة مع السلطات الأمريكية، وأن الأمين العام عبّر عن قلقه.
لكن السؤال الأهم استراتيجياً ليس: لماذا مُنعت تأشيرة البرهان؟ وإنما: ماذا تريد واشنطن أن تحقق من خلال هذه الخطوة؟
إذا صحت المعلومات التي ربطت التأشيرة بقبول الهدنة، فإن الولايات المتحدة تكون قد وضعت أداة دبلوماسية في سياق أوسع من وظيفتها التقليدية، وحولتها إلى وسيلة ضغط مرتبطة بمسار التفاوض. وهذا يعني أن الخلاف لم يعد يدور فقط حول كيفية إنهاء الحرب، وإنما حول الشروط التي ينبغي أن يتم من خلالها إنهاء الحرب ومن يمتلك القدرة على تحديد تلك الشروط.
فالهدنة، من المنظور الأمريكي، يمكن أن تمثل مدخلاً لوقف القتال وتخفيف الكارثة الإنسانية وفتح الطريق أمام تسوية سياسية. أما من منظور القيادة السودانية، فإن وقف إطلاق النار لا يمكن فصله عن موازين القوى على الأرض، ولا عن الضمانات المتعلقة بتنفيذ أي اتفاق، ولا عن مستقبل الدولة ومؤسساتها والترتيبات الأمنية التي ستعقب توقف العمليات العسكرية. وقد أعلن البرهان لاحقاً رفض الشروط الأمريكية المقترحة لوقف إطلاق النار، مؤكداً استمرار الموقف السوداني الرافض للقبول بشروط تحت الضغط الخارجي.
وهنا تتضح طبيعة التباين بين الطرفين. واشنطن تنظر إلى الحرب من زاوية الحاجة إلى وقفها والوصول إلى تسوية، بينما تنظر الخرطوم إليها من زاوية أخرى ترتبط بمسألة الدولة والسيادة ومآلات أي تسوية على مستقبل المؤسسة العسكرية والنظام السياسي. ولذلك فإن ما يبدو في ظاهره خلافاً حول هدنة لمدة 90 يوماً يخفي وراءه خلافاً أوسع حول شكل السودان الذي سيخرج من الحرب.
وتزداد أهمية الأزمة لأن الولايات المتحدة لم تكتفِ بمسألة التأشيرة، بل شهدت العلاقة بين البلدين في الأيام نفسها توتراً إضافياً بعدما صدرت تصريحات أمريكية شككت في الصفة الشرعية والدستورية للمؤسسات التي تدير البلاد، وهو ما رفضته الحكومة السودانية مؤكدة تمسكها بالسيادة الوطنية وداعية واشنطن إلى التعامل معها بصورة إيجابية.
من هنا يمكن قراءة أزمة التأشيرة باعتبارها إشارة إلى انتقال العلاقة السودانية – الأمريكية من مرحلة الضغط السياسي غير المباشر إلى مرحلة أكثر وضوحاً من الاشتباك حول مسار الحرب والتسوية. فالولايات المتحدة تمتلك أدوات متعددة للتأثير، من العقوبات والضغوط الدبلوماسية إلى الوساطة والاتصالات السياسية، فيما تمتلك الخرطوم بدورها أوراقاً تتعلق بالموقف الميداني، والعلاقات الإقليمية، ورفضها لأي تسوية لا تراها متوازنة.
أما المقارنة التي أثارتها الأزمة حول منح الولايات المتحدة تأشيرات لقادة دول تختلف معها سياسياً، فهي تكشف سؤالاً أوسع حول طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية. فالدول الكبرى لا تتعامل مع جميع الخصوم بالآليات نفسها، إذ تختلف الحسابات باختلاف المصالح والملفات والظروف الإقليمية والدولية. وبالتالي فإن مقارنة حالة البرهان بقادة آخرين ينبغي أن تراعي اختلاف السياقات، لا أن تكتفي بفكرة أن بعض خصوم واشنطن دخلوا أراضيها في مناسبات دولية.
والأهم أن أزمة التأشيرة أظهرت أن نيويورك أصبحت امتداداً للصراع السياسي في الخرطوم. فالمعركة لم تعد محصورة في الميدان السوداني، وإنما انتقلت إلى المنابر الدولية، حيث تحاول كل جهة التأثير في تعريف الحرب، وتحديد أطرافها، ورسم صورة الدولة السودانية ومستقبلها أمام المجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، فإن التعامل السوداني مع الأزمة يحتاج إلى حسابات دقيقة؛ فالتصعيد الإعلامي وحده لا يغير موازين السياسة الدولية، كما أن الاستجابة لضغوط خارجية دون حساب نتائجها قد تترك آثاراً بعيدة المدى. المسار الأكثر أهمية هو تحويل الأزمة إلى قضية سياسية ودبلوماسية تُدار بهدوء، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة وعدم السماح بأن تصبح التأشيرة بديلاً عن الحوار حول مستقبل السودان.
في النهاية، فإن أزمة تأشيرة البرهان تكشف أن الصراع السوداني دخل مرحلة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة. من نيويورك إلى الخرطوم، أصبحت الدبلوماسية نفسها جزءاً من ميدان الصراع؛ والرهان الحقيقي ليس على من يدخل نيويورك أو من يبقى خارجها، وإنما على من يمتلك القدرة على التأثير في شكل التسوية القادمة، وعلى السودان أن يدير هذه المرحلة بوعي استراتيجي يحفظ مصالحه الوطنية ويمنع تحويل الضغوط الخارجية إلى محدد وحيد لمستقبله.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.