البعد_الاخر د. مصعب بريــر تقرير CNN المدوّي: كوشنر يبيع السلام… ويحصّد مليارات من دم غزة ..!
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
تقرير CNN المدوّي: كوشنر يبيع السلام… ويحصّد مليارات من دم غزة ..!
هل سألت نفسك يوماً لماذا ننتبه متأخرين؟ ليس لأننا لا نرى، بل لأننا اعتدنا على رؤية الدم يتحول إلى أرقام، وإلى أرباح، وإلى صفقات. ننتبه بعد أن يكون كل شيء قد انتهى، بعد أن تكون الحرب قد أنتجت أثرياءها، وبعد أن يكون الأبرياء قد دفعوا الفاتورة. هذا ليس حديثاً عن الماضي، بل هو عما نخسره اليوم بصمت، ونحن نراقب كيف تُبنى الثروات على أنقاض المدن، وكيف يصبح السلام نفسه تجارة رابحة.
جوهر القضية باختصار: ما كشفته شبكة CNN يوم أمس عن جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ومبعوثه للشرق الأوسط، ليس مجرد فضيحة مالية عابرة، بل هو نموذج صارخ لكيفية تحويل السياسة إلى أداة لتحقيق أرباح خيالية من الحروب نفسها. التحقيق الذي نشرته الشبكة الأمريكية أظهر أن كوشنر، بينما كان يتفاوض على وقف إطلاق النار في غزة، كانت شركته الخاصة “أفينيتي بارتنرز” تمتلك أكبر حصة في شركة “فينيكس المالية” الإسرائيلية، وهي شركة استثمار ضخمة تمول شركات تصنع الأسلحة والطائرات بدون طيار والسفن الحربية التي تُستخدم في الحرب على غزة.
السبب الذي يراه الجميع هو أن كوشنر اختار أن يعمل كمبعوث “متطوع” للبيت الأبيض، وليس كموظف حكومي رسمي. هذا الاختيار الذي يبدو بريئاً في ظاهره، هو المفتاح الذي سمح له بتجنب قوانين الإفصاح المالي التي تُلزم المسؤولين الحكوميين بالكشف عن ممتلكاتهم واستثماراتهم. بهذه الطريقة الذكية، استطاع أن يمسك بعصا التفاوض بيد، وباليد الأخرى يحصد أرباح الحرب. والنتيجة المباشرة كانت ارتفاع قيمة استثماراته بشكل مذهل، فشركته باعت ربع حصتها في “فينيكس” في يوليو الماضي بأكثر من 340 مليون دولار، أي عائد يفوق خمسة أضعاف رأس المال الأولي، بينما لا تزال تحتفظ بحصة تقدر بأكثر من مليار دولار.
لكن ما لا يُرى، وهو الأخطر، هو أن هذا ليس مجرد استثمار عابر. شركة “فينيكس” التي يملك كوشنر أكبر حصة فيها، استثمرت أكثر من 456 مليون دولار في تسع شركات إسرائيلية مرتبطة بالمجمع العسكري، من بينها 265 مليون دولار في شركة “إلبيت سيستمز”، أكبر مصنع للأسلحة في إسرائيل. هنا تتكشف العلاقة الخفية: المبعوث الذي يفترض أن يعمل على إيقاف الحرب، هو نفسه المستفيد الأكبر من استمرارها. وبينما يعلن أنه يسعى لبناء السلام، كانت شركاته تحقق أرباحاً طائلة من الطلب المتزايد على الأسلحة التي تقتل الأبرياء في غزة. وحتى عندما حاول البيت الأبيض الدفاع عنه، جاء الرد صادماً في سخريته، حين قال المتحدث باسمه إن “الأنشطة التجارية الخاصة لكوشنر لا علاقة لها بمهامه الدبلوماسية”. هذا ليس دفاعاً، بل هو اعتراف مبطّن بأن هناك تزامناً مقصوداً بين الدورين.
الأمر لا يتوقف عند غزة. كوشنر نفسه صرّح بوقاحة أن أرباحه المالية هي الطريق الأفضل للسلام، قائلاً إنه عندما يتحدث عربي وإسرائيلي عن فرصة تجارية، “ينسون كل شيء آخر”. هذا الربط بين الاستثمار والسلام ليس بريئاً، بل هو تحويل للقضية الفلسطينية من صراع على الحقوق إلى سوق للعقارات والاستثمار. وليس هذا تحليلاً في الهواء، فتقرير CNN يوم أمس الذي أشار إلى استثمارات “فينيكس” في شركات مثل “إلبيت سيستمز” و”نكست فيجن” و”مصانع إسرائيل”، يؤكد هذا المسار بوضوح. والأخطر من ذلك كله، أن بعض هذه الشركات متورطة في دعم المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ما يعني أن الأموال التي يديرها كوشنر، والتي تأتي من دول عربية خليجية مثل الإمارات، تساهم بشكل مباشر في تعميق الاحتلال.
طيب، هذا معناه شنو للمواطن العادي؟ كيف سيؤثر على شعوره بالأمان في بيته؟ معناه أن الحروب لم تعد مجرد مآسٍ إنسانية، بل أصبحت فرصاً استثمارية. معناه أن صانع السلام قد يكون في الحقيقة تاجر حروب. ومعناه أن الأبرياء الذين يموتون في غزة، ليسوا ضحايا الصراع فقط، بل هم أيضاً ضحايا نظام اقتصادي عالمي يحوّل دماءهم إلى أرباح في محافظ المستثمرين.
بعد اخير:
خلاصة القول، اللعبة لم تعد سرية، والفضائح لم تعد تُخفي إلا وجوهاً أخرى. عندما يمتلك صهر الرئيس أكبر شركة مساهمة في مجمع عسكري يغذي حرباً، وهو في نفس الوقت يُدار له ملف التفاوض على السلام، فمن الطبيعي أن نرى هذا التناقض الصارخ. لكن ما يجعلها مُرّة أكثر، أن هذا النموذج ليس استثناءً، بل هو القاعدة في عالم يتحكم فيه الاقتصاد في السياسة.
اخيراً، نحن لا نُهزم. نحن فقط نصل متأخرين إلى المعركة التي انتهت.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
