ألسنة وأقلام* *يوميات عائد إلى الخرطوم الحلقة السابعة – العودة إلى سنار (٦)* *د. بابكر إسماعيل*
ألسنة وأقلام*
*يوميات عائد إلى الخرطوم
الحلقة السابعة – العودة إلى سنار (٦)*
*د. بابكر إسماعيل*
تركنا مدني وراءنا وفي القلب حسرة ..
ويممنا صوب سنار وفي القلب نشوة ..
وجئناك يا سنار بالجحفل الجرار نعدو له عدواً ..
تركنا مدني بألقها وغنائها ..
بفنها ولأوائها (الملاريا) ..
بثرائها الشامخ بالتاريخ والناس وإدارة مشروع الجزيرة ..
وبقرى الجزيرة المترعة بالجمال والكرم ..
وبنفوس أهلها الطيبين ..
وعيونهم المليانة بالخير والكفاء ..
تلك القرى التي عمّرها أبناؤها بالعون الذاتي فأقاموا فيها المراكز الصحية والآبار الإرتوازية وحتى شوارع الإسفلت كل ذلك بالشير والعون الذاتي والتضامن ..
إن زرت أحداً في قرية من قرى الجزيرة – بالذات في شرقها – فأنت ضيف على القرية كلها وحقٌ عليها قِراك .. فتكرمك القرية كل القرية يأتونك في العشية بالعشاء وكُوَرٍ ملأى باللبن والفطير ومصبحين يحملون الإفطار وشاي الصباح والزلابية والفطائر يأتونك وفرادي ومثني وزمراً ..
فتشرب وترتوى وتترع بكرم الأكارم فيا لهم من كرام كرماء ..
ينهب بصنا الشجي النديّ الطريق نهباً وقد ازدادت ندبات الطريق وبثوره ومطباته ..
فيَخجّنا خجاً ويرجّنا رجّاً ..
طريق (مدني – سنار) يمتاز بأنه مرتفع قليلاً عن مستوى طريق (الخرطوم – مدني) وقد تم بناؤه في عهد المشير جعفر نميري طيّب الله ثراه وعطّر جنبات قبره بعُرْف الجنة .. آمين
وكان ذلك في أواخر سبعينات القرن الماضي واكتمل الطريق في نحو العام ١٩٨٠ ..
أنشأت ولاية الجزيرة شركة مواصلات الجزيرة (شراكة بين الولاية والمشروع) وكان لها أسطول من الحافلات الباهية المطلية باللون البرتقالي والأبيض ..
وضاهي أسطول بصات الجزيرة السفرية (مدني – سنار والخرطوم – سنار) في ألقه وجماله (أسطول بصات أبو رجيلة التي كانت حدثاً ومظهراً في المواصلات الداخلية بولاية الخرطوم ..
وكان صوت ماكينات بصات الجزيرة قوياً هادراً عالياً تسمعه من على البعد كأنما هي ماكينات الرولزرويس التي تطير بالطائرات ..
ولا أذكر إن كانت الشركة المصنعة ألمانية أم إيطالية ولكنها قطعاً ليست سليلة أمهرا ..
وكان سعر تذكرة السفر من سنار إلى مدني بجنيه واحد وإلى الخرطوم بثلاث جنيهات وخمسة وعشرين قرشاً. وكان الجنيه الواحد في ذلك العهد يساوي ثلاثة دولارات.
أحيا طريق (مدني سنار) قرىً وبلدات وأمات أُخر فقد صار الطريق أطول (108 كيلومتر) ولا يمر بقرى ٥٧ و ٧٧ وهذه بيّارات مشهورة على ترعة (قناة) الجزيرة الرئيسية لرى المشروع والمتفرعة من أمام خزان سنار كأختها ترعة المناقل ..
حيث تسيل الترعتان من أمام خزان سنار ببواباته التسعة وتسعين كجديلتين من لجين فتنسابان بعيداً بعيداً ليصل ماؤها تخوم الخرطوم ومفازات غرب الجزيرة العطشى قريباً من مجرى النيل الأبيض ..
وتحيط بجانبي الترعتين ردمية ترابية عالية (بطول 3-4 أمتار وبعرض 10 أمتار أو نحوها) ويُبسط أعلى هذه الردميات الترابية في الخريف لتسير عليه البصات السفرية العتيقة قبل إنشاء شارع الأسفلت .. وكذلك أقيمت جسوراً فوق الترعتين لمرور العربات والماشية والقاطرات ..
كانت البصات الأهلية قبل قيام شركة مواصلات الجزيرة تقطع المسافة بين مدني وسنار في حولى ساعتين ونصف شتاءاً وصيفاً وتقطعها في خمس ساعات أو تزيد في فصل الخريف .. وكانت أجرة المقعد في تلك البصات الأهلية ستين قرشاً (وذلك في سبعينات القرن الماضي). والبصات السفرية الأهلية هي في الأصل لواري (lorries) تم تعديلها لتكون بصاً وأحيلك لمقال قديم لي بعنوان السفنجة وهو يتحدث عن مثل هذه البصات السفرية ..
ويمرّ الطريق الجديد بمارنحان والبرياب وقنّب الأسد والشكّابات المتعددة (اختفى في إحداهن أبناء محمد أحمد ود فحل (المهدي) بعيداً عن أنظار الجيش المصري والإنجليزي بعد وقعة كرري – واكتشف ضباط الجيش الإنجليزي المخبأ وقُتل فيها أبناؤه الكبار ونجا عبد الرحمن ود فحل.
وهنالك قرىً صغيرة حتى نصل إلى الحاج عبد الله وقرية الخور وحييّ الله ابني سليمان (عبد الرحمن والأمين) ثم فارس وود الحداد .. وتصمت شهرزادنا عن الكلام المباح فقد اقتربنا من حرم سنار التي يُجبى إليها ثمرات كل شيء .. وأذكر أنه سئل زميلي في امتحان الدين ونحن في الصف الأول الابتدائي عما هو البلد الأمين فقال “سنار .. ” لله درّه
وحييّ الله الأخ جمالاً أينما كان
وجئناك يا سنّار .. فابسطي يديك فرحاً إلينا ..
https://www.facebook.com/share/p/1DhTz1uGxV/?mibextid=wwXIfr
