السودان بعد النار: حين تصبح الكرامة دولة والأمل مسؤولية ✍️د. الشاذلي عبداللطيف
السودان بعد النار: حين تصبح الكرامة دولة والأمل مسؤولية
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

ليست أعظم انتصارات الأوطان أن تسكت فيها المدافع، وإنما أن تستعيد الحياة على أسس تمنع عودتها. فالحرب تختبر قدرة الدولة على البقاء، أما التعافي فيختبر قدرتها على استحقاق ثقة مواطنيها. وبين الامتحانين يقف السودان، مثقلا بجراحه، أمام فرصة ينبغي ألا تضيع: أن يحول تضحيات أبنائه إلى مؤسسات، وكرامتهم إلى حقوق، وأملهم إلى حياة يمكن أن يعيشوها.
أكتب من موقع المواطن السوداني، لا من خندق الخصومة. أساند وحدة القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، وأقدر المسؤولية التي يتحملها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وأرى في حكومة الأمل بقيادة البروفيسور كامل إدريس فرصة ينبغي أن تختبر بالعمل والإنجاز.
لكن التأييد مسؤولية أيضا؛ فلا يستقيم أن نطالب الحكومة بالإصلاح ثم نحجب عنها حقيقة معاناة الناس، أو نجعل النقد السلمي خصومة مع الوطن. الدولة أكبر من الحكومة، والوطن أبقى من السلطة، والمواطن شريك في بلاده، وليس ضيفا ينتظر الإذن بالكلام.
منذ عهد عبود وثورة أكتوبر 1964، ظل السؤال الأكثر حضورا في حياتنا السياسية: من يحكم السودان؟ وظل السؤال الأعمق ينتظر إجابته: كيف نحكم بحيث تستمر المؤسسة حين يتغير الحاكم، وتصان الحقوق حين تختلف الولاءات؟
ثم جاءت حرب أبريل 2023، فنقلت السؤال من التنافس على السلطة إلى الخوف على بقاء الدولة نفسها.
من هنا أفهم التفاف قطاعات من السودانيين حول القوات المسلحة؛ دفاعا عن وحدة البلاد، ورفضا لتعدد مراكز القوة والسلاح. وأفهم كذلك مخاوف سودانيين من امتداد الاستثناء وتأجيل الحكم المدني والمساءلة. والموقف الوطني المسؤول يستوعب هذه المخاوف ويجيب عنها بضمانات مؤسسية وخطوات واضحة.
وهنا تتجلى المسؤولية التاريخية أمام البرهان: أن تتحول قوة الجيش إلى سند لدولة المؤسسات، وأن تثمر تضحياته استقرارا تحرسه العدالة ويحميه القانون.
فالجيش الواحد ضرورة لدولة واحدة، وتكتمل هذه الضرورة بمؤسسة عسكرية قومية مهنية تحمي السيادة والدستور والحدود، وتبقى فوق التنافس الحزبي.
جيش واحد، لأن تعدد الجيوش يجعل الوطن رهينة لتوازن البنادق، ويترك المواطن تحت رحمة القوة التي تسيطر على شارعه.
وفي المقابل، لا تمنح المدنية الأحزاب صكا لامتلاك الدولة. قيمتها في حكومة تحاسب، وقضاء مستقل، وخدمة مدنية مهنية، وانتخابات موثوقة، وسلطة تنتقل سلميا. فالدولة التي نريدها لا تسأل المواطن عمن يؤيد قبل أن تنصفه.
وأمام حكومة الأمل امتحان يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية. إعادة البناء تعني إصلاح شبكة المياه، وتشغيل المستشفى، وفتح المدرسة، وتأمين طريق العودة، وتهيئة شروط الإنتاج. وهي أعمال لا تنجزها الأسماء الجميلة، وإنما تنجزها الإدارة والكفاءة والنزاهة وترتيب الأولويات.
لذلك نمنح الحكومة مساحة للعمل، ونطالبها بأهداف معلنة ومواعيد قابلة للمتابعة، ونقيس تقدمها بما يتغير في حياة الناس.
الأمل بيت يعود إليه أهله، ومزارع يصل إلى حقله، ومصنع يستعيد عماله، وطفل يعود إلى مقعد الدراسة. وهو أيضا موظف يجد أجره، ومريض يجد دواءه، ونازح يعود آمنا دون أن تتحول مأساته إلى معاملة تائهة بين المكاتب.
ولن يكتمل التعافي بإعادة تشييد المباني مع إبقاء أسباب الانقسام. دارفور وكردفان والشرق والشمالية والوسط والخرطوم شركاء متساوون في الوطن. وعدالة التنمية تقتضي أن توزع الخدمات والفرص بمعايير الحاجة والحق، وأن يصبح المواطن موضع اهتمام الدولة أينما كان.
والعدالة ركن في هذا البناء. من ارتكب جريمة يحاسب بأدلتها وأمام القضاء، ومن لم يرتكبها لا يحمل وزر قبيلته أو منطقته أو جماعته. لا سلام يطمئن إليه الضحايا مع الإفلات من العقاب، ولا مصالحة تستقيم بالعقاب الجماعي.
هذا هو معنى موقفي: مساندة القوات المسلحة في حماية الوطن، ومساندة القيادة في بناء المؤسسات، ومحاسبة الحكومة على إنجازها، وصون حق المختلف في التعبير السلمي. تلك التزامات يجمعها الإيمان بأن السودان ملك لجميع أبنائه.
وحين يكتب المؤرخ هذه المرحلة، سيبحث عما صنعه السودانيون بتضحياتهم: هل أقاموا دولة تحمي الضعيف، وتحاسب القوي، وتتيح تغيير الحكومة دون أن يخاف الناس على بيوتهم وأرواحهم؟
ذلك هو الانتصار الذي يستحق أن نورثه لأبنائنا؛ دولة تصبح فيها الكرامة حقا يوميا، والأمل مسؤولية عامة، والاختلاف أمرا مألوفا لا سببا للخوف.
السودان أوسع من خصوماتنا، وأغلى من أن نعيده بعد كل هذا الألم إلى الأسباب التي أنهكته.
جيش واحد.
