حِينَ كَانَ المَالُ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ قصصٌ من سخاءِ الصحابة رضي الله عنهم بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت
حِينَ كَانَ المَالُ فِي أَيْدِيهِمْ وَلَمْ يَكُنْ فِي قُلُوبِهِمْ
قصصٌ من سخاءِ الصحابة رضي الله عنهم
بقلم ✍🏼:حسبو علي بخيت

ما المالُ إلا عاريةٌ مستردّة، وظلٌّ زائل، ومتاعٌ عابر؛ يُؤتَى للعبدِ ليُختبر، لا ليُفتن، ويُستخلف فيه ليُنظر ماذا يصنع، لا ليُسأل كم جمع وكم عدّ. وما أفقرَ الغنيَّ إذا ملك المالُ قلبه، وما أغنى الفقيرَ إذا امتلأ قلبُه يقينًا بربه!
إن المالَ إذا استقر في اليد كان نعمة، فإذا استقر في القلب صار فتنة؛ وإن خرج من اليد في الصدقة عاد إلى صاحبه أجرًا، وإن حُبس عن حق الله والخلق صار على صاحبه وزرًا. ولذلك لم يكن الإنفاق في ميزان المؤمنين الأوائل نقصانًا في الثروة، بل زيادةً في البركة؛ ولم تكن الصدقة عندهم اقتطاعًا من الرزق، بل استثمارًا فيما لا تبلى خزائنه ولا تنفد عطاياه.
قال تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
فكان السؤال عند أولئك الرجال ليس: ماذا نُبقي لأنفسنا؟ وإنما: ماذا نقدّم لربنا؟
وهنا تبدأ الحكاية…
سيدنا أبو بكر رضي الله عنه .. حين صار اليقين أغلى من المال
وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه في مشهدٍ لا تكاد الكلمات تفي بجلاله. حُثَّ المسلمون على الصدقة، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصف ماله، يريد أن يسبق صاحبه في ميدان البذل.
ثم جاء الصديق بكل ما عنده.
قال له النبي ﷺ:
«ما أبقيتَ لأهلك؟»
فأجاب ذلك الجواب الذي ظلّ يتردد في ذاكرة التاريخ:
«أبقيتُ لهم اللهَ ورسولَه».
يا لله!
أي قلبٍ هذا الذي لا يرى في خزائنه إلا عابرًا، ويرى ما عند الله باقيًا؟ وأي يقينٍ هذا الذي يجعل الرجل يضع ماله كله في كفة، ويضع ثقته بالله في الكفة الأخرى، فلا يرى بينهما مقارنة ولا مفاضلة؟
لم يكن أبو بكر رضي الله عنه فقيرًا إلى المال، ولكنه كان أغنى بالله عن المال.
عمر رضي الله عنه .. نصف المال، وكمال اليقين
وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، فلما سأله النبي ﷺ: «ما أبقيتَ لأهلك؟» قال: «مثله».
لقد كان عمر قويًا في الحق، شديدًا في العزم، حتى ظن أنه هذه المرة قد بلغ الغاية، فإذا بالصديق قد سبقه إلى الغاية نفسها من طريقٍ آخر.
وهنا لم يكن في قلب عمر حسدٌ ولا ضيق، بل عرف مقام صاحبه، وأدرك أن ميدان الخير واسع، وأن بعض القلوب إذا سبقتك لا ينبغي أن تحزن؛ بل ينبغي أن تتبعها.
فكان تنافسهم في الطاعة، وتسابقهم إلى البر، وتباريهم في أبواب الخير.
يا لها من أمةٍ كان رجالها يتنافسون في كم أعطوا، لا في كم أخذوا!
عثمان رضي الله عنه .. حين يتحول المال إلى ماءٍ وجيشٍ وأثر
وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه غنيًا، لكن غناه لم يكن ترفًا يطوف حول ذاته، وإنما قوةً يضعها حيث يحتاجها المسلمون.
وفي غزوة العُسرة بذل عثمان من ماله لتجهيز جيش المسلمين، حتى دعا له النبي ﷺ.
وكان من أعظم مواقفه شراء بئر رُومة وجعلها للمسلمين، فصار الماء الذي كان موردًا للربح موردًا للرحمة، وتحولت الملكية الخاصة إلى منفعةٍ عامة.
وهنا يظهر الفقه الحقيقي للمال:
أن تعرف متى يكون الاحتفاظ به حكمة، ومتى يكون إنفاقه عبادة، ومتى يتحول ما تملكه إلى حقٍّ لمن حولك.
أبو طلحة.. أحبُّ ماله، فاختار أن يقدمه
أما أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، فقصته مع الإنفاق من أصفى القصص وأبلغها دلالة.
كان يملك بستانًا عزيزًا عليه، هو بَيْرُحاء، وكان من أحب أمواله إليه.
فلما سمع قول الله تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
لم يقل: سأبحث عن شيءٍ لا أحتاجه.
ولم يقل: سأعطي من فضول مالي.
بل ذهب إلى النبي ﷺ وجعل أحب أمواله صدقة.
فقال له النبي ﷺ:
«بَخٍ، ذلك مالٌ رابح».
ما أعظمها من تجارة!
أرضٌ في الدنيا، وثمرٌ في الآخرة.
بستانٌ يفنى، وأجرٌ يبقى.
مالٌ يخرج من اليد، وثوابٌ يدخل في صحيفة العمل.
لقد فهم أبو طلحة أن أعظم ما تملكه ليس ما تستطيع أن تحبسه، بل ما تستطيع أن تقدمه لله.
عبد الرحمن بن عوف.. الغنى الذي لم يسكن القلب
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مثالًا نادرًا لرجلٍ اتسعت يده بالمال، وبقي قلبه أوسع منه.
آتاه الله تجارةً وغنى، لكنه لم يجعل الدنيا وطنًا لقلبه. كان ينفق ويعطي ويعتق ويعين، حتى صار ماله طريقًا إلى البر، لا حجابًا عنه.
وهذه هي المعادلة التي اختلت في نفوس كثير من الناس: أن يملك الإنسان المال، ولا يملكه المال.
فليس الزهد أن تترك الدنيا وأنت عاجزٌ عنها، وإنما أن تكون الدنيا في يدك ولا تكون أسيرةً لها في قلبك.
عائشة وأسماء.. سخاءٌ لا يعرف حبس النعمة
وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أهل الجود والبذل، وكانت لا ترى المال غايةً في ذاته، بل رزقًا يمر إلى يدها ثم يمضي إلى مستحقه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول:
«لا تُوعي فيوعي الله عليك».
أي لا تحبسي المال في الوعاء خوفًا من نفاده، فإن خزائن الله أوسع، وفضله أعم، ورزقه لا تحدّه حسابات البشر.
وهكذا كان أولئك القوم يفهمون البركة فهمًا مختلفًا:
فالمال الذي تنفقه لا ينقصك عند الله، واليد التي تعطي لا تكون أفقر من اليد التي تمنع، والقلب الذي يجود لا يضيقه العطاء.
المال في اليد.. لا في القلب
تلك ليست حكاياتٍ تُروى للتسلية، ولا صفحاتٍ من تاريخٍ مضى وانقضى؛ إنها مرآةٌ نرى فيها أنفسنا.
نحن في زمنٍ صار بعض الناس يحصي ما يملك أكثر مما يحصي ما قدّم، ويخاف على ماله من الفناء ولا يخاف على عمره من الانقضاء، ويجمع للدنيا وكأنه خالدٌ فيها، وينسى أن الإنسان مهما طال مقامه، فموعده رحيل.
ما أحوجنا اليوم إلى روح أبي بكر، وإيثار عمر، وسخاء عثمان، وبذل أبي طلحة، وكرم عبد الرحمن بن عوف، وجود عائشة وأسماء رضي الله عنهم أجمعين.
ما أحوجنا إلى أن نعيد للصدقة معناها، وللسخاء مكانته، وللرحمة سلطانها؛ فكم من فقيرٍ أوجعه الجوع، وكم من يتيمٍ كسرته الحاجة، وكم من أسرةٍ أرهقتها الحرب، وكم من مريضٍ ينتظر يدًا تمتد إليه لا بكلمة الشفقة، بل بعطاء الكرامة.
إن أعظم الصدقات ليست دائمًا أكبرها رقمًا؛ فقد يكون القليل عظيمًا إذا خرج من قلبٍ صادق.
فلا تنتظر أن تصبح غنيًا حتى تعطي، ولا تؤجل الخير حتى تفيض خزانتك؛ أعطِ مما تستطيع، وواسِ بما تقدر، وابتسم في وجه محتاج، وكن للناس بابًا من أبواب الرحمة والخير.
فإن المال عابر، والجاه غابر، والعمر مسافر، ولا يبقى للإنسان في آخر الطريق إلا ما قدمه بين يدي الله.
وحين تُغلق الخزائن، وتُطوى الصحائف، ويقف الغني والفقير سواءً بين يدي رب العالمين، لن يسأل المرء: كم كان في خزانتك؟ بل سيكون السؤال الأعظم: ماذا قدمت؟
فطوبى ليدٍ أعطت قبل أن تُغَلَّ،
وطوبى لقلبٍ جاد قبل أن يُحال بينه وبين الجود،
وطوبى لمالٍ خرج من صاحبه حيًّا، فعاد إليه يوم القيامة حسناتٍ وأجرًا ونورًا.
كان الصحابة يملكون المال، لكن المال لم يملكهم؛ كانت الدنيا في أيديهم، وكانت الآخرة في قلوبهم.
وهذه هي العظمة التي نفتقدها اليوم:
أن تملك الكثير، ثم تستطيع أن تعطي؛ وأن تحب ما عندك، ثم تستطيع أن تؤثر غيرك؛ وأن تكون غنيَّ اليد، فقيرَ القلب إلى الله.
فيا رب، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل المال سيدًا علينا بعد أن جعلته في أيدينا؛ وارزقنا يدًا عليا بالعطاء، وقلبًا رحيمًا بالفقراء، ونفسًا سمحةً بالبذل، وصدقةً خفيةً لا يعلمها إلا أنت.
اللهم اجعل ما في أيدينا عونًا على طاعتك، وما نخرجه منها ذخيرةً ليوم لقائك، واجعل آخر ما نلقى به الدنيا عملًا صالحًا، وآخر ما نلقى به الآخرة رحمةً منك ورضوانًا.
