منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

السودان بعد الحرب: معركة السيادة ونهاية الجيوش الموازية ✍️د. الشاذلي عبد اللطيف

0

السودان بعد الحرب:
معركة السيادة ونهاية الجيوش الموازية
✍️د. الشاذلي عبد اللطيف

ليست أخطر الحروب تلك التي تخوضها الجيوش في ميادين القتال، بل تلك التي تظل أسبابها كامنة في بنية الدولة بعد صمت المدافع. فالسودان، الذي دفع ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه ومقدراته الوطنية، يقف أمام تحدٍ استراتيجي يتجاوز حسم المعارك إلى إعادة بناء الدولة، واستعادة وحدة القرار السيادي، وإنهاء ظاهرة الجيوش الموازية بصورة تحول دون تكرار المأساة.
لقد كشفت الحرب أن تعدد التشكيلات العسكرية المستقلة ليس مجرد اختلال أمني، بل تهديد مباشر لوحدة الدولة واستقرارها. فحين تتعدد القيادات المسلحة، وتستقل مصادر التمويل والتسليح، وتتداخل المصالح العسكرية والسياسية، تتآكل سلطة المؤسسات، ويتحول السلاح إلى وسيلة لفرض النفوذ وانتزاع المكاسب.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الجيوش الموازية وحدها، وإنما في استمرار البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية التي تسمح بإنتاجها مجدداً.
ومن الإنصاف الوطني الاعتراف بأن القوات المسلحة السودانية تضطلع بمسؤولية محورية في الدفاع عن سيادة البلاد ووحدة أراضيها وحماية مؤسساتها. وقد فرضت الحرب عليها أعباء استثنائية في ظروف بالغة التعقيد، الأمر الذي يجعل المحافظة على تماسك المؤسسة العسكرية وقدرتها الدفاعية ضرورة من ضرورات الأمن القومي.
غير أن تقدير هذا الدور لا يتعارض مع أهمية التطوير والإصلاح المؤسسي، بل يقتضيهما. فالمؤسسة العسكرية تزداد قوة ومكانة حين تستند إلى عقيدة وطنية جامعة، وقيادة محترفة، ومؤسسات دستورية مستقرة، وتبتعد عن الاستقطاب السياسي والمصالح الاقتصادية الخاصة.
وهنا ينبغي التمييز بين الدور الوطني للجيش في حماية الدولة، والمسؤولية السياسية والمدنية عن إدارة شؤونها؛ فالأول اختصاص أصيل للمؤسسة العسكرية، والثاني مسؤولية مؤسسات الحكم الشرعية، وفق الدستور والقانون.
وقد تتطلب مرحلة ما بعد الحرب ترتيبات انتقالية استثنائية تشارك فيها القوات المسلحة في تأمين الاستقرار وحماية عملية إعادة البناء، على أن تكون هذه الترتيبات محددة الأهداف والمدة، وخاضعة للمساءلة، ومفضية إلى نظام دستوري مستقر، لا إلى تكريس الاستثناء باعتباره قاعدة دائمة.
أما إنهاء الجيوش الموازية، فينبغي أن يتم وفق استراتيجية وطنية شاملة، تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وتفكيك اقتصاد الحرب، وضبط الحدود، ومنع التمويل والتجنيد العسكري خارج مؤسسات الدولة، دون استثناء لأي حركة أو تشكيل مسلح.
ولا يجوز أن تتحول هذه العملية إلى إقصاء اجتماعي أو جهوي؛ فالمحاسبة يجب أن تكون فردية وقانونية، والدمج قائماً على الكفاءة والاحتياجات الفعلية، والمصالحة مرتبطة بالعدالة وحفظ حقوق الضحايا.
وتفرض النظرة الأمنية بعيدة المدى الاستعداد لتهديدات قد تتجاوز المواجهات التقليدية، وتشمل الجريمة المنظمة، والتهريب، والاختراقات الاستخباراتية، والهجمات السيبرانية، والتدخلات الخارجية. ولذلك يحتاج السودان إلى استراتيجية أمن قومي متكاملة، تعزز قدرات القوات المسلحة والشرطة والأجهزة المختصة، وتربط الأمن العسكري بالأمن الاقتصادي والاجتماعي.
إن بناء السلام المستدام مسؤولية مشتركة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية والمجتمع السوداني. فلا يستطيع الجيش وحده معالجة اختلالات التنمية والعدالة والحكم، كما لا تستطيع المؤسسات المدنية حماية الاستقرار دون منظومة دفاع وأمن وطنية محترفة.
والدرس الاستراتيجي الأهم أن قوة الجيش يجب أن تكون ضمانة لقوة الدولة، لا بديلاً عن مؤسساتها، وأن قوة المؤسسات المدنية ينبغي أن تعزز الجيش الوطني، لا أن تنازعه اختصاصاته.
لقد أصبح الوعي السوداني أكثر إدراكاً بأن وحدة السلاح والقيادة والسيادة ليست شعارات مرحلية، وإنما أسس لبقاء الوطن.
فالانتصار الحقيقي لا يتحقق بإسكات البنادق وحده، بل ببناء دولة تمنع عودة الحرب، وجيش يحمي الجميع، ومؤسسات تحتكم إلى القانون.
جيش وطني واحد، قيادة عسكرية واحدة، وسيادة لا تتجزأ، ودولة تسع جميع السودانيين.
لا جيوش موازية بعد اليوم.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.