*احداث كسلا ومكافحة *المخدرات… بين هيبة الدولة ومسؤولية المجتمع في مواجهة الجريمة* *✍️ د. الشاذلي عبداللطيف*
حداث كسلا ومكافحة المخدرات… بين هيبة الدولة ومسؤولية المجتمع في مواجهة الجريمة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

إن ما تداولته الأوساط المجتمعية بشأن أحداث كسلا، وما صاحب إحدى عمليات مكافحة المخدرات من مقاومة لقوات الشرطة ورشق بالحجارة وتجمهر وإغلاق للطرق، إن ثبتت تفاصيله، يمثل إنذارا وطنيا خطيرا، يتجاوز حدود الواقعة الأمنية إلى سؤال أكبر: هل يمكن أن تتحول بعض الأحياء إلى ملاذات للجريمة، وأن يصبح الانتماء القبلي غطاء يحتمي خلفه تجار السموم من سلطان القانون؟
إنها ليست قضية كسلا وحدها، بل قضية السودان كله، ومعركة تتعلق بمستقبل أجيالنا، وهيبة مؤسساتنا، وقدرة الدولة على حماية المجتمع من أخطر أسباب الانهيار الأخلاقي والاجتماعي.
ونقولها بلسان وطني لا يعرف المساومة: يجب أن تضرب الدولة الجريمة بيد من حديد، بلا هوادة ولا تردد، ولكن بقوة القانون وعدالة القضاء، لا بالانتقام أو العقاب الجماعي.
فالشرطي الذي يحمل روحه على كفه ليحمي المجتمع، لا يجوز أن يصبح هدفا للحجارة والاعتداءات. وهيبة الشرطة ليست امتيازا لأفرادها، وإنما ضمانة لأمن المواطن واستقرار الوطن. وكل اعتداء يثبت وقوعه على قوة تؤدي واجبها يجب أن يقابل بمساءلة جنائية حاسمة، دون استثناء أو محاباة.
غير أن القوة وحدها لا تكفي. فالمعركة تحتاج إلى عقل أمني متقدم، ومعلومات دقيقة، وعمليات مدروسة، وتنسيق وثيق بين الشرطة والنيابة، حتى يتحقق ضبط المجرمين دون تعريض الأبرياء للخطر.
أما القبيلة، فإنها عنوان للشرف والتكافل، وليست حصنا للجريمة.
وأهل كسلا وشرق السودان بتاريخهم وكرامتهم أكبر من أن تختزل صورتهم في تصرفات أفراد. ولذلك فإن مسؤولية النظار والعمد والمشايخ مضاعفة في التصدي لأي محاولة لاستغلال العصبية القبلية لتعطيل العدالة.
لا قبيلة متهمة بالجملة، ولا مجرم يتمتع بحصانة الانتماء!
ثم إن مكافحة المخدرات لا تكتمل بملاحقة المروجين وحدهم. ينبغي الوصول إلى ممولي الشبكات ومنظميها، وتتبع الأموال المشبوهة، وتفعيل قوانين مكافحة غسل الأموال، وتجفيف منابع التمويل الإجرامي.
فحين تسقط رؤوس الشبكات، وتضيق مسارات التمويل والتهريب، تبدأ الجريمة المنظمة في فقدان قدرتها على التمدد.
ولأن المخدرات حرب على الإنسان قبل أن تكون مخالفة للقانون، فإن المساجد والخلاوي والمدارس والجامعات والأسر والإعلام مطالبة جميعها بخوض معركة الوعي، مع فتح أبواب العلاج والتأهيل وتوفير البدائل الاقتصادية للشباب.
كما أن الاستفادة من الخبرات الشرطية المتخصصة ضرورة وطنية. فالمعرفة المتراكمة في مكافحة المخدرات ثروة مؤسسية ينبغي صونها وتوظيفها.
وإلى قيادة شرطة ولاية كسلا والنيابة العامة نقول:
لا تسمحوا بأن تمر هذه الواقعة دون تحقيق شفاف ومحاسبة عادلة. راجعوا الخطط، واحموا القوات، وطمئنوا المواطنين، واجعلوا الإدارة الأهلية شريكا في المواجهة، لا طرفا في الخصومة.
إننا لا نريد حملة أمنية تنتهي بانتهاء المداهمة، وإنما استراتيجية وطنية تستأصل أسباب الجريمة وتحاصر شبكاتها وتحمي المجتمع من شرورها.
فالوطن الذي يدفع أبناؤه أرواحهم دفاعا عن أرضه وكرامته، لا يجوز أن نترك عقول شبابه فريسة لتجار السموم.
هذه معركة وطن، لا معركة قبيلة. معركة بناء، لا انتقام. معركة دولة تحترم مواطنيها، ويهاب المجرمون قانونها.
فلتكن كسلا بداية صحوة وطنية شاملة، عنوانها: لا تهاون مع الجريمة، ولا ظلم للأبرياء، ولا مساومة على أمن السودان.
السودان أولا… جيش واحد، شعب واحد، وطن واحد.
