*كليات التربية في السودان.. شغور المقاعد جرس إنذار لمستقبل التعليم* *✍️ د. الشاذلي عبداللطيف*
كليات التربية في السودان.. شغور المقاعد جرس إنذار لمستقبل التعليم
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

السودان لا يحتمل أن يخسر مستقبل أبنائه مرتين؛ مرة بسبب حرب دمرت المدارس وشتتت المعلمين والتلاميذ، ومرة بسبب سياسات لا تمنح التعليم والمعلم المكانة التي يستحقانها. ومن غير المقبول وطنيا أن نستعد لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بينما تتراجع جاذبية مهنة التعليم، وتبقى آلاف المقاعد شاغرة في كليات إعداد المعلمين. إن حماية مستقبل السودان تبدأ من حماية التعليم، وإنصاف المعلم، واستعادة مكانته، فالوطن الذي يعجز عن إعداد معلمي أجياله يضع مستقبل نهضته واستقراره أمام خطر حقيقي.*
وفي هذا الظرف الوطني الحرج، تكشف أرقام القبول المتداولة بكليات التربية للعام 2026 عن شغور 20,566 مقعدا، بنسبة تقارب 64% من المقاعد المخططة. وهي أرقام تطرح سؤالا مصيريا: *من سيعلم أبناء السودان غدا إذا تراجع الإقبال اليوم على المؤسسات التي تعد المعلمين؟*
لقد فاقمت الحرب أزمة التعليم بنزوح المعلمين، وتعطيل المدارس، واضطراب الأجور، وتدهور الأوضاع المعيشية. وإذا استمر ضعف الإقبال على كليات التربية، فقد تواجه المدارس مستقبلا نقصا في الكوادر المؤهلة، واكتظاظا في الفصول، وتراجعا في التحصيل الدراسي، واتساعا للفجوة التعليمية بين الولايات.
إن هذه المؤشرات تستوجب *سياسات وطنية عاجلة تتجاوز المعالجات التقليدية*، تبدأ بتحسين رواتب المعلمين بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وضمان انتظام صرفها، وتسوية المستحقات المتأخرة، وتوفير التأمين الصحي والحوافز المهنية، خاصة للعاملين في المناطق المتأثرة بالحرب.
كما تقتضي المسؤولية الوطنية إطلاق برنامج عاجل لجذب الشباب إلى كليات التربية، من خلال المنح الدراسية، وتخفيف الرسوم، وتطوير التدريب، وتوفير مسارات توظيف واضحة، وربط أعداد المقبولين بالاحتياجات الحقيقية للمدارس.
إن إعادة إعمار السودان لا تكتمل بتشييد المباني والجسور والطرق، ما لم تتقدمها إعادة بناء الإنسان، ولن يتحقق ذلك دون معلم مؤهل، مستقر، محفوظ الكرامة.
إن تحسين رواتب المعلمين ليس عبئا ماليا، بل استثمار استراتيجي في أمن السودان ونهضته ومستقبل أجياله.
فالحرب قد تهدم مدرسة في يوم، ولكن غياب المعلم قد يحرم جيلا كاملا من مستقبله.
فلننقذ كليات التربية اليوم، ولننصف المعلم السوداني، قبل أن تتحول المقاعد الجامعية الشاغرة إلى فصول دراسية بلا معلمين.
فالأوطان تحمي حدودها بقوة مؤسساتها، وتصون مستقبلها بعلم أبنائها، وتنهض حين تكرم معلميها.
