البعد_الاخر مصعب بريــر اغتيال الشريان: حين يُقصف الضوء لتموت الحياة ..!
البعد_الاخر
مصعب بريــر
اغتيال الشريان: حين يُقصف الضوء لتموت الحياة ..!
هل سألت نفسك يوماً لماذا لا نشعر بقيمة الضوء إلا عندما يعمّ الظلام؟ في بيوتنا السودانية، يمتد الظل سادراً في الحوش، نتحرك بين أرجائه باطمئنان يلامس الروتين، فلا ننتبه لزر النور إلا حين نضغط عليه فلا يجيب. في الحوش، عندما يرفع أحدهم صوته أو يلوّح بيده، قد يسكت الجميع محاولةً لتفادي الشجار، لكن نادراً ما يتوقف أحد ليسأل: ما الذي يدفع شخصاً لكسر قنديل الشارع عمداً في عتمة الليل؟
ما حدث فجر اليوم ليس مجرد عطل طارئ، ولا خطأ غير مقصود من المليشيا وداعميها في الميدان، بل هو جزء من خطة خبيثة ومتكررة تستهدف البنية التحتية والأعيان المدنية بقصد شل حياة الناس. انقطاع الكهرباء الذي خلفه هجوم المسيرات الغادر عن أربع ولايات — ولحقته ولايات أخرى — ليس مجرد خسارة تقنية أعلنت عنها شركة الكهرباء، بل هو مسعىً صريح لتجريد المواطن مما تبقى له من أسباب البقاء. السودان اليوم يخوض معركة وجودية وسط ظروف قاسية فرضتها حرب ممولة أجنبياً، أنتجت أكبر أزمة نزوح شهدتها البشرية، وأبشع الجرائم ضد الإنسانية.
السبب الظاهر الذي يراه الجميع هو أن الحرب بطبيعتها لا أخلاق لها، وأن مجرميها تخطوا كل الخطوط الحمراء. وطبيعي، بعد هذا القصف، أن نرى المدن غارقة في الظلمة والصمت. لكن ما لا يُرى، أو ما يتغافل عنه الكثيرون، هو أن استهداف قطاع الطاقة ليس رغبة في التدمير من أجل التدمير فحسب، بل هو إقرار عجز ميداني صريح؛ سياسة الأرض المحروقة التي يلجأ إليها من يئس من تركيع هذا الشعب الصابر ومن كسر شوكة جيشه الباسل. عندما تفلس المليشيا في الميدان، تتجه ضرباتها نحو الشرايين التي تغذي حياة المواطن العادي.
طيب، هذا معناه شنو للراجل البقعد في القهوة بعد يوم شاق؟ معناه شنو للأم البتحاول تحفظ الأنسولين لولدها المريض في التلاجة؟ ومعناه شنو للأسر البريئة في البيوت؟ معناه ببساطة أن لقمة العيش باتت مهددة، وأن الرزق والراحة وأمان البيوت أصبحوا في مرمى استهداف مباشر. الكهرباء في حياتنا اليومية ليست رفاهية؛ هي ضخ المياه، هي تشغيل المستشفيات، هي اتصال المغترب بأهله في الغربة ليطمئن عليهم، وهي حفظ كرامة الأسر داخل منازلها.
وهنا يبرز التحدي الذي لا يحتمل التأجيل: يجب على الدولة استعجال بناء وتعزيز قدرات الدفاع الجوي لحماية الأعيان المدنية كأولوية قصوى. المسيرات غيرت طبيعة المواجهات الحربية في العالم أجمع، ولم تعد كبرى الدول معصومة من مخاطرها. لكن التجربة العالمية أثبتت أن التصدّي لها ليس مستحيلاً. دول كثيرة طوّرت منظومات حماية متعددة الطبقات؛ تدمج بين التشويش الإلكتروني لقطع اتصالات المسيرة، وأنظمة الرصد البصري والحراري المنخفض الكلفة، والأسلحة المباشرة ذات التكلفة المتوازنة. بالنسبة لواقع السودان، فإن الاعتماد على حلول “التشويش الموجه” حول المحطات الرئيسية، إلى جانب شبكات رصد محلي مبكر وتغطية نقطية للأهداف الحيوية، يشكل خياراً عملياً ومتاحاً لتقليل مخاطر هذه الحرب الخبيثة وحماية قوت المواطنين.
إن استمرار التعامل مع هذه التهديدات بعقلية الترقيع — كمن يصلح كبري سيارته كل يوم دون أن يسأل لماذا الطريق كله حفر — لن يوقف استنزاف مواردنا. نحن أمام نمط جديد من التعدي يفرض علينا الانتقال فوراً من رد الفعل إلى الحماية المسبقة، فالدفاع عن محطة كهرباء اليوم هو دفاع مباشر عن حياة طفل في غرفة العناية المركزة وعن أمان أسرة في أقصى الولاية.
وهكذا تتجمع الخيوط كلها لتكشف لنا حقيقة واحدة لا مفر منها: إن النور الذي يُطفأ بالمسيرات الغادرة لا يستهدف المباني، بل يستهدف إرادة الصمود في نفوسنا.
بعد اخير:
خلاصة القول، إن العدو الذي يراهن على إظلام المدن لكسر إرادة الشعوب، ينسى أن النور لم يكن يوماً مجرد أسلاك ونبضات كهرومغناطيسية، بل هو كرامة يسعى الإنسان لحمايتها بكل ما أوتي من قوة. تكرار الهجوم على بنيتنا التحتية يوضح مدى بشاعة المعتدي ويأسه، لكنه في الوقت نفسه يضعنا جميعاً أمام مسؤوليتنا التاريخية في حماية مقدراتنا.
أخيرًا، الضوء في آخر النفق ليس سراباً ولا قطاراً قادماً، بل هو قنديل نملك نحن أمر إشعاله، بشرط أن نقرر حراسته ببسالة ووعي، وأن نفرغ وسعنا في التصدّي لمن يسعون لإغراق هذا الوطن في عتمة لا تنتهي.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
