منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر حين تتحول الجامعة إلى متجر: هل تفرمل قرارات التعليم العالي فوضى الرسوم؟:س

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
حين تتحول الجامعة إلى متجر: هل تفرمل قرارات التعليم العالي فوضى الرسوم؟

حين يفقد التعليم بوصلته الأخلاقية ويتحول إلى سلعة تُعرض في مزاد علني، تتلاشى الفوارق رويداً بين المؤسسة الأكاديمية وجوغة الباعة الجائلين، لتبدأ حكاية استنزاف صامتة يدفع ثمنها جيل كامل من الطلاب وأسرهم. ففي ظروف استثنائية تعاني فيها البلاد من وطأة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية القاسية، كان المفترض أن تمثل المؤسسات التعليمية ملاذاً آمناً وحصناً تضامنياً يخفف عن الناس قسوة الواقع، غير أن المشهد كشف في كثير من الأحيان عن سلوكيات تعسفية تتعامل مع الطلاب وأولياء أمورهم بمنطق الجباية البحتة لا بمنطق رسالة المعرفة، وهو ما تجلى بوضوح في شكاوى متكررة حول قفزات غير مبررة في رسوم التسجيل ببعض الجامعات الخاصة، حيث تتفنن إداراتها في ابتداع جبايات جانبية ترهق الكاهل وتُقابل بلغة استعلاء وغطرسة تعكس غياب الحد الأدنى من التقدير للظروف العامة.

جاء قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأخير برقم (168) لسنة 2026، والذي أصدره الوزير أحمد مضوي قاضياً بتحديد السقف الأعلى لرسوم تسجيل الطلاب السودانيين بمبلغ لا يتجاوز 600 ألف جنيه لمستويات البكالوريوس والدبلوم التقني ليشمل الرسوم الشاملة للعام الدراسي بما فيها الكشف الطبي والبطاقة والمكتبة، ليمثل خطوة استباقية ومهمة نحو محاولة كبح جماح الفوضى المستشري. لكن قراءة هادئة في تفاصيل الواقع المعمّق تفرض أسئلة مشروعة لا تملك القرارات الإدارية وحدها ترف تجاهلها؛ فماذا عن المؤسسات التي كانت تفرض رسوماً أقل بكثير من هذا السقف المعلن، هل سيتحول الحد الأقصى بقدرة قادر إلى حد أدنى تسارع تلك الجامعات لبلوغه متخذة من القرار غطاءً شرعياً لزيادة أعبائها؟ والأهم من ذلك كله، ما هي الآليات الرقابية الصارمة المتاحة لضمان التزام الجامعات، وهل ستلزم الجهات التي فرضت مبالغ فلكية مخالفة للوائح بعمل تسويات عادلة للمسددين أم سيطوي النسيان حقوق من دفعوا مرغمين؟

خلف أرقام الرسوم ومراسيم الوزارة تكمن تفاصيل أخرى أشد قسوة تتمثل في “بدعة” غرامات تأخير السداد الجزافية التي تفرضها بعض إدارات الجامعات بقسوة مفرطة دون اعتبار لعسر المعسرين وتعثر الأسر الناتج عن انقطاع سبل العيش. إن التجارب الإنسانية والمؤسسية المقارنة في التعامل مع الأزمات الاقتصادية للطلاب لا تقوم على التهديد بالطرد أو التلويح بعبارات الاستغناء الفظة، بل تبني جسوراً من التنسيق والجدولة والمعالجات الأخلاقية التي تحفظ كرامة الطالب وتصون استمراريته في تحصيله الأكاديمي. وحين تغيب هذه المرونة الإنسانية، يتحول القرار الإداري إلى مجرد حبر على ورق ما لم يُسنَد بمنظومة عقوبات حقيقية ومتابعة ميدانية دقيقة تحمي العملية التعليمية من جشع الاستثمار غير المقنن.

خلاصة القول، إن معركة ضبط التعليم العالي ليست مجرد محاولة لإصدار سقف سعري هنا أو قرار تنظيمي هناك، بل هي اختبار حقيقي لهيبة الدولة وقدرتها على حماية حقوق مواطنيها في أضعف لحظاتهم. فالجامعات ليست شركات مساهمة عامة تسعى خلف الأرباح السريعة على حساب مستقبل الأجيال، والتعليم ليس امتيازاً طبقياً يُمنح لمن يقدر على الدفع ويُحرم منه المتعثرون.

إن القرارات الشجاعة لا تقاس بمدى ديباجتها الرسمية، بل بقدرتها على اختراق جدران التعسف وإعادة الإنصاف لمن غيبهم ضجيج التجارة عن صدارة الاهتمام.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.