منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر الزراعة على حافة العطش: حين يسبق التغير المناخي بطء السياسات ..!

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
الزراعة على حافة العطش: حين يسبق التغير المناخي بطء السياسات ..!

لم يكن لقاءنا السيد وزير الإنتاج بولاية القضارف، المهندس عمار عبد الله سليمان، مجرد مصابفة عابرة على طريق الخرطوم؛ بل كان مشهداً نادراً يتقاطع فيه الوعي الإداري الحاد مع تواضع المسؤول الذي ينزل إلى الأرض ويصغي لمن يكتبون نبضها. فبينما كانت أروقة الوزارة تستقبل طروحات «البعد الآخر» حول اضطراب المواقيت الزراعية وضرورة التكيف مع ظاهرتي النينو والتغير المناخي، أبدى الوزير تفاعلاً عملياً ودعوة واضحة لإشراك الجميع في ورش التخطيط للعام القادم. خرجت من ذلك اللقاء وفي النفس سرور بالغ بوجود قيادات تدرك أن الإدارة ليست ترفاً مكتبياً بل اشتباكاً يومياً مع الأزمات. غير أن المفارقة القاسية تكمن في أن الزمن الفاصل بين نوايا الإصلاح الإداري وزحف الواقع لا يتجاوز ساعات معدودات؛ فما إن مضت أربع وعشرون ساعة حتى وقع بين يدي تقرير استقصائي ميداني أصدرته شبكة «بيم ريبورتس»، ليمسح بضوء كاشف مساحات واسعة من ولايات السودان، مانحاً القضارف ودارفور وسنار وجهاً آخر للتحدي، وجعلاً إيانا أمام سؤال مفصلي: هل تملك مؤسساتنا ترف الانتظار بينما تتبدل جغرافية الإنتاج تحت أقدام الملايين؟

لو أن زائراً تجول في ربوع القضارف خلال شهري أغسطس وسبتمبر في الأعوام الماضية، لاستوقفته تلك اللوحة الممتدة من الخضرة والخصوبة. أما هذا الموسم، فالصورة ناطقة بالخيبة؛ فإلى جانب صيف قاسٍ لا يرحم، ضرب جفاف حارق محاصيل الذرة والسمسم، ليجسد المزارع عمر مختار – اسم مستعار – مرارة موسم أجهضه شح الأمطار وتراجع مستويات مياه النيل. هذا المشهد ليس بدعاً في القضارف وحدها، بل يمتد بظلاله الثقيلة ليطال نحو 70% من الأراضي المزروعة في الولاية التي سجلت تراجعاً في معدلات الأمطار بلغ 30% مقارنة بالمتوسط العام، بينما تعرضت 40% من الأراضي الزراعية في سنار لأضرار بالغة نتيجة هبوط الأمطار بنسبة 20%. إننا لسنا أمام مجرد تقلب موسمي عابر، بل أمام اختلال بنيوي في دورة الحياة الزراعية التي يرتكز عليها أكثر من 70% إلى 80% من السودانيين لتأمين سبل عيشهم.

لكل تراجع مناخي ضريبته البشرية والمعيشية التي يدفعها المواطن بصمت. فحين تتوقف الأمطار في مرحلة حساسة من نمو الذرة والسمسم – كما حدث بين أغسطس وسبتمبر من هذا العام حين انقطعت السحب تماماً عن جنوب القضارف وجنوب دارفور – فإن المحصول لا يحترق وحده، بل يحترق معه أمن الأسر الغذائي وقدرتها الشرائية. في منطقة «دُمّة» بمحلية «مرشينج» بجنوب دارفور، يروي المواطن جلال محمد كيف انحصرت الأمطار في هطولين يتيمين طوال الخريف، مما أدى إلى فشل ذريع في الزراعة المطرية وقفز بسعر «ملوة العيش» إلى ثمانية عشر ألف جنيه، عدا عن عجز تام في توفير حتى القش للثروة الحيوانية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية في التنقل وجلب المياه. وحين تنعكس هذه المؤشرات على أسواق المحاصيل بقلة المعروض وارتفاع الأسعار الجنوني، فإننا نكون أمام حلقة مفرغة عنوانها العريض: تآكل القدرة على البقاء في مناطق الإنتاج التقليدي.

حين نغوص خلف أسباب هذا التدهور، يبرز الصوت العلمي والبحثي ليضع الأمور في نصابها الصحيح. فالمهندس والباحث الزراعي أسامة الفكي يؤكد أن ما نشهده اليوم من زراعة للذرة الرفيعة في أكتوبر بدلاً من منتصف يوليو لم يأتِ من فراغ، بل هو تحول زراعي جذري كان متوقعاً منذ سنوات. وإلى جانبه، يوضح خبير سياسات التكيف والتمويل المناخي، نجم الدين داؤود، أن السودان يحتل المركز الخامس عالمياً بين الدول الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، في ظل هشاشة مؤسسية وضعف في آليات الاستجابة. هذه التغيرات لا تعمل بمعزل عن ظاهرة «النينيو» العالمية التي تسببت في رفع حرارة مياه المحيط الهادئ، واختلال حركة الرياح، وضعف تدفق السحب الرطبة نحو القرن الإفريقي، مسجلة درجات حرارة قياسية تضاعف من معدلات التبخر الطبيعية. وتشير التوقعات إلى استمرار هذه التقلبات حتى عام 2027، مما يعني أن الجفاف وتراجع الأمطار لم يعودا استثناءً موسميًا، بل باتا عنصراً ثابتاً في المعادلة المناخية يجب التعامل معه كواقع استراتيجي دائم.

وما يزيد الطين بلة هو تقاطع هذه الصدمات المناخية مع تداعيات الحرب المدمرة المستمرة منذ أبريل 2023. فالنزوح الواسع، وتعطل الأسواق، وتدمير سلاسل الإمداد، لم تكن سوى عوامل مضاعفة لهشاشة القطاع الزراعي. ورغم الجهود المقدرة التي يبذلها القطاع الخاص للتعافي – إذ تشير تقديرات الخبراء إلى عودة نحو 80% من شركات مبيدات وأسمدة إلى السوق – إلا أن تكاليف الإنتاج تصطدم بأسعار صرف شاهقة وتكاليف شحن باهظة تبلغ فيها حاوية المدخلات خمسة آلاف دولار. هذا التداخل بين الحرب والمناخ يخلق بيئة شديدة التعقيد، حيث تجتمع ندرة المياه مع ارتفاع تكلفة المدخلات، لتصبح معادلة الإنتاج الزراعي مغامرة محفوفة بالمخاطر إن لم يُقابل الاستثمار التقليدي بسياسات دعم عاجلة تقوم على الري التكميلي، وحصاد المياه، وتطوير تقنيات التكيف المناخي.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الزراعة في السودان اليوم لا يكمن في توصيف الأزمة أو تعداد نسب العجز المطري، بل في مدى قدرة الدولة والمجتمع على مغادرة مربع ردود الفعل إلى فضاء التخطيط الاستباقي. لقد أثبت المسؤولون الميدانيون من أمثال وزير الإنتاج بالقضارف وجود رغبة سياسية حقيقية للاستماع والتغيير، لكن هذه الرغبة تبقى رهينة غياب استراتيجية وطنية متكاملة تواجه زحف التصحر وتغير المواقيت عبر منصات علمية مشتركة تجمع المزارعين والباحثين وصناع القرار.

خلاصة القول، إن بقاء القطاع الزراعي رهناً للصدفة المطرية يعني بوضوح تسليم الأمن الغذائي لمصير مجهول، وتحويل الملايين من منتجين فاعلين إلى ضحايا دائمين لأزمات بيئية واقتصادية متلاحقة.

التربة التي جفت محاصيلها هذا العام لا تنتظر الخطب التمهيدية، بل تطلب سياسات جريئة تسبق السحاب؛ فحين يتغير المناخ، يصبح الثبات على القديم هو الشكل الأكثر خطورة من أشكال الانهيار.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.