منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*بكْرِي حَسَن صَالِح..* *حِينَ يَكُونُ الوَفَاءُ أَغْلَى مِنَ الحَيَاةِ!* *بقلم ✍️:حسبو علي بخيت*

0

بكْرِي حَسَن صَالِح..
حِينَ يَكُونُ الوَفَاءُ أَغْلَى مِنَ الحَيَاةِ!
بقلم ✍️:حسبو علي بخيت

ليس الرجالُ سواءً حين تُوزَنُ المواقفُ بميزان التاريخ، وليس كلُّ من تقلَّد المناصبَ بلغ مقام الرجال؛ فالمناصبُ قد تمنح أصحابها ألقاباً، ولكن المواقف وحدها هي التي تمنحهم الخلود في ذاكرة الأوطان. وهناك رجالٌ إذا ذُكرت أسماؤهم حضرت معهم حكاياتُ الدولة، وملامحُ الميدان، وذاكرةُ الأمكنة، وأصداءُ مرحلةٍ كاملةٍ من تاريخ البلاد. ومن بين هؤلاء كأن الفريق أول ركن بكري حسن صالح؛ ذلك الرجل الذي تنقَّل بين مواقع القيادة والمسؤولية، فكان وزيراً للدفاع، ووزيراً للداخلية، ووزيراً لرئاسة الجمهورية، ونائباً أول لرئيس الجمهورية، ورئيساً لمجلس الوزراء، وواحداً من أبرز رجال الإنقاذ الذين ارتبطت أسماؤهم بمفاصل الدولة السودانية.
كان بكري رجلاً ملأ السمع والبصر.
عاد الفريق أول ركن بكري حسن صالح إلى أرض الوطن، واختار أن تكون وجهته الأولى دنقلا؛ وطنه وعشقه الذي يسكنه كما يسكن النيل مجراه. عاد ليشمَّ عبير الأرض التي أحبها، ويستظلَّ بظلال النخيل التي عرفها، ويتناول بلح القنديلة، ويجلس إلى أهله على مائدة القراصة بالملوحة، ويستأنس برطانة الدناقلة، تلك اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمانٍ حين يتحدث القلب إلى القلب.
يا لها من عودةٍ تختصر حكاية إنسان!
فثمة رجالٌ إذا ابتعدوا عن أوطانهم حملوا الوطن في قلوبهم، وثمة رجالٌ إذا عادوا إليها شعروا كأنهم عادوا إلى أعمارهم الأولى؛ إلى الطفولة التي لم تغادر الذاكرة، وإلى البيوت التي لم تهدمها المسافات، وإلى الوجوه التي لا تشيخ في القلب وإن شاخت الأيام.
إنَّ بكري حسن صالح تجربةٌ سياسيةٌ وعسكريةٌ لا يمكن اختزالها في واقعةٍ واحدة، ولا في منصبٍ واحد، ولا في حكمٍ عابر. فقد كان جزءاً من تاريخ السودان الحديث، بما له من صفحاتٍ تستحق الدراسة. غير أن عودته من رحلة العلاج تظلُّ موقفاً إنسانياً ووطنياً جديراً بالتأمل؛ لأنها تكشف عن قوة الارتباط بالأرض، وعن معنى العهد حين يصبح الوفاء أثقل من رغبات الراحة وأغلى من حسابات المصلحة.
سعادة الفريق أول ركن بكري حسن صالح؛ تعرفه أدغال الجنوب، ويعرفه أهل السودان قاطبة. كانت له رحلة شتاء وصيف في ربوع السودان، من طوكر إلى أم دافوق، ومن حلفا حتى الجبلين والرنك؛ كان غيثاً هطولاً، أينما حلَّ نفع، وأينما نزل استبشر به الناس.
حكى لي أحد الوزراء أنه عندما كان الفريق بكري رئيساً للوزراء، وكان اجتماع مجلس الوزراء يناقش مسألة زيادة الدولار، قال لهم: «أنا لم أستطع النوم منذ يومين؛ لأن الدولار ارتفع من ٢٨ جنيهاً إلى ٣٠ جنيهاً». لقد كان الفريق بكري رجل الإنقاذ الصادح بالحق عندما يعزُّ قول الحق.
وها هو اليوم، بعد أن وهن جسمه من المرض، وأخذت العِلّة من هذا الرجل الذي يشبه شموخ نخيل الشمال، وقوة هشاب وتبلدي الغرب، وصمود جبال توتيل في شرقنا الحبيب، بعد أن أصابت العلل هذا الجسد الذي قدَّم الغالي والنفيس، وضرب أروع الأمثال في التضحية والفداء والبسالة، سمحت له السلطات بالعلاج خارج السودان.
رحلة العلاج.. ثلاثة أشهر بعيداً عن الوطن
ودون أي ضجة أو إعلام، سافر الرجل، الشامخ مقاماً، الرفيع منزلةً، إلى تركيا، وطوال ثلاثة أشهر تلقى العلاج لقلبه الذي حمل هموم السودان، مما جعل الأطباء يزرعون له جهازاً لتنظيم ضربات القلب منذ سنوات خلت، وأُجريت له فحوصات شاملة على صحته، وكلها جاءت مطمئنة، والحمد لله.
لم تكن مغادرة الأسد الصور والقامة السامية إلى تركيا بالسهولة التي قد يتصورها البعض؛ فقد غادر الفريق أول بكري السودان إلى تركيا بعد انتظار وجهد طويل.
وفي الأول من شهر أغسطس الماضي، غادر أرض السودان التي أحب ترابها ونيلها وقمحها وقطنها إلى تركيا. ولو وصلت هذه المعلومة إلى الإعلام، لضجَّت صفحات العملاء المريضة في الوسائط المتعددة، وقامت بمنعه من السفر.
الوطن في حدقات العيون.. ورفض الإقامة خارج السودان
أخفقت كل الجهود التي بذلها نجله الأخ العزيز (حسن)، المُسمَّى تيمُّناً على جده، وإخوانه، في إقناع والدهم، رجل الوطنية الحقة، بالبقاء في تركيا لفترة النقاهة الطبية والاستجمام من وعثاء السفر والمرض ومتابعة العلاج، وللمزيد من الاطمئنان على صحته، أو اختيار أي دولة أجنبية أخرى، ليستقر بها.
لكن الرجل الكبير، الذي يحمل السودان في حدقات عيونه، وقلبه الطاهر معلَّق بثري السودان، رفض كل عرض قُدِّم له من أسرته أو أصدقائه أو عارفي فضله، وقال إنه قطعَ عهداً وميثاقاً غليظاً على نفسه بالعودة إلى أرض الوطن متى ما انتهى من العلاج.
ولعمري، إنها الوطنية الحقة، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها، التي تربطه بالسودان؛ فليس هو الرجل الذي يرضى أن يسجل عليه التاريخ، أو أن يُقال عنه إنه هرب من مواجهة خصومه في وطنه ولجأ إلى خارج البلاد! ولا يريد أن يتساوى مع العملاء والخونة الذين يجوبون الأقطار، ويعيشون على الموائد التي باعوا بها السودان بثمن بخس، دراهم معدودة، ويحرِّضون على جيش وطنهم.
لقد ضرب الفريق بكري أروع الأمثال في الشجاعة والفخر والاعتزاز، وهو موقف سوف يُسجَّل في تاريخ البطولات السودانية بمداد النور وأحرف العسجد، عندما وقف شامخاً في المحكمة وقال بكل قوة وعز وشموخ وكبرياء إن ما قام به في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ كان فعلاً عسكرياً من أجل إنقاذ الدولة السودانية من الانهيار، وإن ما قاموا به كان واجباً عليهم من مسؤوليتهم العسكرية، حتى لو أدَّى ذلك إلى التضحية بحياتهم.
وهكذا ضرب الفريق أول ركن بكري حسن صالح، الذي تخرج من عرين الأبطال ومصنع الرجال وينتمي إلى الدفعة ٢٤ كلية حربية، ضرب مثلاً يجب أن يُدرَّس في مناهج التربية والتعليم الوطنية في السودان، وسجَّل موقف شرف وعزة وشموخ، من الثبات وشدة البأس والوفاء لقادته.
رسالة إلى قيادة القوات المسلحة.. والوفاء للقائد
إن عودته الطوعية إلى الوطن، رغم العروض التي عُرضت عليه ليعيش خارج أرض الوطن، رسالة واضحة لقيادة القوات المسلحة بأن يُولوا عنايتهم للقائد العام السابق المشير عمر حسن أحمد البشير، الذي لا يزال رهن الحبس.
فالمشير يعاني من جملة أمراض، وقد أوصى الأطباء بضرورة سفره لتلقي العلاج بالخارج.
فقد كانت هذه الفرصة متاحة أمامه منذ اليوم الأول، عندما أحاط الهمج والرعاع بالقيادة العامة، وكان بإمكانه أن يغادر أرض السودان، ولأنه ثابت ثبوت الجبال، أبت عزة نفسه الأبية ذلك، وفضَّل أن يكون في أرض الوطن مهما كانت المخاطر.
يا سعادة الفريق أول البرهان، ها هو بكري قد عاد إلى أرض الوطن؛ لأنه كان على عهد وميثاق غليظ أن يعود إلى حضن الوطن الرؤوم، وجعل نفسه فداءً لقائده ووطنه.
العودة إلى دنقلا.. حيث الجذور وعبق التراب
في نهاية شهر أكتوبر، عاد الفريق أول بكري إلى وطنه الصغير دنقلا، ضارباً أروع الأمثال في الوفاء والعهد والإخلاص، ليشرب من سليل الفراديس، ويستأنس برطانة الدناقلة.
إنها عودة رجلٍ ظلَّ السودان يسكن قلبه، وظلَّت جذوره ممتدة في ترابه، حتى وهو بعيد عنه؛ فالوطن عند الرجال الكبار ليس مجرد أرض تُسكن، بل عهدٌ يُصان، وانتماءٌ لا يتبدل، ووفاءٌ لا تهزمه المحن.
فسلامٌ على دنقلا وهي تستقبل ابنها، وسلامٌ على النيل وهو يمدُّ له ذاكرةَ الماء، وسلامٌ على نخيل الشمال وهو يرى في عودته صورةً من صور الثبات.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.