منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

وبرغم التوقع..* *عبد المعز حسين مكابرابي* * الخرطوم تعود أجمل.. عودٌ مستطاب ( لوحة سايكو المكان هل تكتمل)..!؟*

0

*وبرغم التوقع..*
*عبد المعز حسين مكابرابي*

* الخرطوم تعود أجمل.. عودٌ مستطاب ( لوحة سايكو المكان هل تكتمل)..!؟*

لما تنادي الناس من حولي في أروقة السوشيال ميديا أن هلموا وأحزموا حقائب العودة لدياركم بعد نزوح إستطال معه عصائر الدمع والألم والحزن وتفطر الأمل أمام ناظري وتلاشي سبل التفكير نحو إستعادة جمعنا في حواري وأزقة وحدائق ومنتديات وحواشي الثقافة ودور العبادة وصور من ذاكرة الأمكنة في الخرطوم الثلاثية بحري وأم درمان والخرطوم والتي تمتلئ مخزوناً من حراك أقدامي بمكنون السنين وفي كل متر من أرضها لي فيها عبق وألق وحنين كأنها أم تحتوي طلع جنينها النضيد فالعودة الخرطوم لم تكن عبارة عن رجعوا لذاكرة الود والسقف والمحبة والتألف بقدر ماشكلت في أغوار النفس نداوة وبذرة لتحري أن الدنيا لازالت تخبء شئ من الخير بعد غتامة الراهن وفوبيا النظر نحو المستقبل في ظل حرب النزوعات الداخلية التي صاحبت حرب النيران ولقد إستدار الزمان يوماً كنا ننتظره في مخيال مساحة الفرح والسرور والإبتهال ونحن في طريق عودتنا لديارنا التي إكتساها الفناء وفراغ الحضور والمعني. عدنا والعود أجمل من عودة حبيب منتظر عوداً مستطاب .. وبرغم موجعات روتين الترتيبات الحياتية كنت أحتضن حسن ظني بأن كل شئ سيعود إلي ماكان عليه لماضي تركناه وراء ظهورنا قرابة الثلاثة أعوام إلا رمزاً ..يبدوا أن اللوحة لم تكتمل ويعتريها النقص وباهتان الفقد الأليم لشخوص كانوا يزينون زماننا حتي برهة الحضور وثانية الحبور وبدونهم تذر في أعيوننا الرماد ويصبح الملح بلا طعم والعسل يغشاه مر كأنه حنظل كالعبرة وغصة في سقف حلوقنا ولكن ..

ولكن عدنا يا صديقي والعود أحمد ..
ولكن أي عودٍ هذا الذي نعوده؟

عدنا ولم نعد.. بأجسادنا وتركنا أرواحنا معلّقة في محطات النزوح..
في شندي ومدني وبورسودان والقاهرة و..و..
تركنا جزءاً منا هناك، عند كل عتبة بابٍ دخلناها ضيوفاً ثقالاً، وعند كل فرشةٍ نمنا عليها ونحن نُحصي النجوم من سقفٍ ليس سقفنا.

عدنا والخرطوم لا تعرفنا.. ونحن لا نعرفها.
الشوارع التي كانت تحفظ أسماءنا، صارت تنكرنا..
أزقة بحري التي مشينا فيها بالسنين، صارت تسألنا: من أنتم؟
حيطان أم درمان التي كانت تحمل صورنا، صارت بيضاء من الغبار والحريق..
وحدائق الخرطوم التي كانت تشهد ضحكنا، صارت تنبت الحزن بدل الورد.

تقول لي: العود أجمل من عودة حبيب منتظر..
صدقت.. ولكن الحبيب عاد ناقصاً.
عاد بلا أمه التي ماتت في الغربة ولم تجد قبراً في مقابر البكري..
عاد بلا أخيه الذي اختطفه الرصاص في أول الحرب ولم نجد جثته..
عاد بلا جاره الذي كان يزين القعدة بكباية جبنة الصباح..
عاد بلا صديق الطفولة الذي كان يملأ الحوش ضجيجاً.

لهذا صار الملح بلا طعم..
وصار العسل حنظلاً..
لأن الحلو لا يحلو إلا بمن كانوا يُحلّونه.

ولكن .. اسمعني جيداً يا صاحب العود المستطاب:

الخرطوم ليست حجارة.. الخرطوم نحن.

إذا نحن رجعنا، رجعت..
إذا نحن ضحكنا، ضحكت..
إذا نحن زرعنا، أثمرت..
إذا نحن فتحنا بيوتنا ولو على الحصير، عاد الأنس.

اللوحة لم تكتمل لأننا ننتظر من رحلوا أن يكملوها..
واللوحة لن تكتمل إلا إذا رسمنا مكانهم وردة.. وعلّقنا صورهم في الحائط.. وقلنا لأولادنا: هنا كان يجلس عمك فلان، وهنا كانت تضحك خالتك فلانة.. وهنا كانت أمنا تنادي: الغداء جاهز!

العودة ليست أن نجد الخرطوم كما تركناها..
العودة أن نعيد بناء الخرطوم كما نحبها أن تكون..

ولقد استدار الزمان يوماً كنا ننتظره..
وها هو اليوم جاء..
ولن ندعه يمر سدى.

يا أخي.. احتضن حسن ظنك كما احتضنته..
فالذي ردّك بعد ثلاث سنوات من الدمع والعصائر المرّة، قادر أن يردّ معك الفرح..
ولو بعد حين.

عدنا.. والعود أجمل..
وسيكون أجمل.. حين نكمل اللوحة بأيدينا، لا بدموعنا. والله مستعان..

—

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.