منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر عندما تكون الدولة شخصاً: ماذا يخبرنا تقاعد “صلاح الدين عبدالرازق” عن فلسفة الحكم المحلي

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
عندما تكون الدولة شخصاً: ماذا يخبرنا تقاعد “صلاح الدين عبدالرازق” عن فلسفة الحكم المحلي؟

 

في الأطراف البعيدة والحدود المتاخمة للتوتر، لا يعرف المواطن البسيط الكثير عن نظريات السياسة المركزية، ولا تعنيه الصراعات في عواصم القرار. بالنسبة له، “الدولة” تتجسد في تفاصيل ملموسة: طريق يُعبّد، ومحطة مياه تعمل، وموسم زراعي آمن، ومسؤول يفتح بابه لحل نزاع أو تيسير خدمة. في تلك الجغرافيا المعقدة، يصبح “الضابط الإداري” هو الوجه الحقيقي للسلطة، ومعيار مصداقيتها. ومن هذه الزاوية تحديداً، لا ينبغي النظر إلى تقاعد الأستاذ صلاح الدين عبد الرازق العبيد، المدير التنفيذي السابق لعدد من محليات القضارف، بوصفه مجرد إجراء وظيفي روتيني، بل كفرصة لقراءة “كتالوج” الإدارة المحلية الناجحة في بيئة بالغة التعقيد.

تبدأ المفارقة الكاشفة في مسيرة هذا الرجل من طبيعة التكوين. فالمنتمون لدفعة الضباط الإداريين لعام 1994، والذين أسسوا مكاتب المعلومات في الولايات، أدركوا مبكراً أن الإدارة ليست مجرد توقيع أوراق في المكاتب المكيفة، بل هي مزيج بين استيعاب التكنولوجيا (عبر دورات الاتصالات والكمبيوتر المبكرة) وبين النزول إلى الأرض. هذا التكوين المزدوج هو ما يفسر لاحقاً كيف استطاع مسؤول محلي أن يتنقل بين ولاية نهر النيل ومحليات القضارف المختلفة (القلابات، الفشقة، قلع النحل، القريشة، وبلدية القضارف)، محتفظاً ببوصلة واحدة: تحويل الموارد المحدودة إلى بنية تحتية مستدامة.

إذا توقفنا أمام تجربة “الفشقة”، وهي المنطقة التي ظلت لعقود عنواناً للتوتر الحدودي والتداخلات المعقدة، نكتشف البعد الآخر لمفهوم “الأمن”. لم يكتفِ صلاح الدين بالتعويل على الحلول الأمنية التقليدية، بل أدرك، بوعي إداري عميق، أن التنمية هي حارس الحدود الأول. تأهيل المدارس، وتهيئة مستشفى الشواك، وإنجاح الموسم الزراعي المطري وتأمينه بالتعاون مع لجنة أمن المحلية، كانت كلها رسائل سيادية تُقرأ على الأرض. عندما تدعم الدولة مزارعيها في مناطق النزاع، وتخلق بيئة جاذبة للمنظمات الإنسانية والتنموية للعمل في تلك الرقعة، فهي تبسط سيطرتها بالرخاء قبل السلاح، وتجعل المواطن هو خط الدفاع الأول عن أرضه لأنه يمتلك فيها ما يستحق الدفاع عنه.

يتكرر هذا النمط التنموي في كل محطة. في بلدية القضارف، لم تكن مشاريع “الإنترلوك” وتخطيط المسارات الجديدة (كشارع الستين) وتأهيل الأسواق مجرد تجميل حضري، بل كانت إعادة هندسة للنشاط الاقتصادي في المدينة، ومحاولة لفرض هيبة التخطيط على عشوائية التمدد. وفي “قلع النحل”، كان دخول الكهرباء القومية وتأسيس البنك الزراعي بمثابة نقلة من العزلة إلى الإنتاج. أما في “القريشة”، المحطة الختامية، فقد تجلت فلسفة “ربط الأوصال” عبر تشييد عبّارات حيوية (مثل خور أبو فاطمة) التي أنهت معاناة العزلة بين شرق المحلية وغربها، إلى جانب تبني مشاريع الطاقة البديلة لتشغيل محطات المياه في الريف الشمالي، وهو انتقال ذكي نحو الحلول المستدامة التي تتجاوز أزمات الوقود العابرة.

إن أخطر ما يواجه الحكم المحلي في السودان هو تشتت المسؤولية وضعف المبادرة، حيث يميل بعض الإداريين إلى تسيير الأعمال اليومية بانتظار الميزانيات المركزية. لكن الأثر الإنساني الذي تركته مبادرات صلاح الدين مثل المظلة الاجتماعية “كافل”، وتكوين مئات الجمعيات الإنتاجية الزراعية والحيوانية، يثبت أن المدير التنفيذي يمتلك مساحة واسعة لخلق شراكات مجتمعية حقيقية. النجاح هنا لم يكن نتاج وفرة مالية مفاجئة، بل نتاج إدارة عادلة وميدانية، استطاعت حشد الطاقات، وتوجيه أموال الزكاة والمنظمات نحو مشاريع ذات عائد اجتماعي مباشر، مما أثمر استقراراً مجتمعياً انعكس حتى على نتائج التحصيل الأكاديمي وصعود مؤشرات التعليم في تلك المحليات.

خلاصة القول، ما يجب أن تستوعبه مؤسسات الدولة اليوم، وهي تعيد ترتيب أوراقها، هو أن أزمة الحكم في جوهرها هي أزمة “إدارة محلية”. المواطن الذي يجد مسؤوله متواجداً بينه على مدار الساعة، يتفقد حفير المياه، ويتابع ردميات الطرق، ويشرف على تأهيل المراكز الصحية، سيمنح هذه الدولة ثقته وانتماءه. لقد أثبتت سيرة صلاح الدين عبد الرازق أن الضابط الإداري المتجرد ليس مجرد موظف، بل هو “مهندس استقرار”، وقادر على تحويل المحليات المعزولة إلى ورش عمل حقيقية تنبض بالحياة متى ما توفرت الإرادة ونظافة اليد.

اخيراً، تنتهي الرحلة المهنية الرسمية وتبدأ استراحة المحارب، لكن العبّارات التي ربطت القرى، ومحطات الطاقة الشمسية التي أضاءت الريف، والأسواق التي نُظمت، والمستشفيات التي أُهلت، ستبقى شواهد تنطق بلسان الحال. التقاعد في العرف الوظيفي هو نهاية خدمة، لكنه في ميزان العمل العام هو انتقال للمسؤول من مقعد التنفيذ إلى منصة القدوة، ليترك لمن يخلفه منهجاً يقول بوضوح: الإدارة ليست سلطة تمارس من خلف المكاتب، بل هي أثر يُحفر في شوارع المدن وتفاصيل حياة الناس.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

  • البُعد_الآخر | د. مصعب بريــر

    musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.