منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*استراحة الجمعة* *السودان بين وفرة الأرض وجوع الإنسان.. أين اختلت المعادلة؟* *✍️د. الشاذلي عبداللطيف*

0

استراحة الجمعة
السودان بين وفرة الأرض وجوع الإنسان.. أين اختلت المعادلة؟
✍️د. الشاذلي عبداللطيف

أي مفارقة أشد إيلاما من أن يجوع الإنسان في وطن يمتلك من الأرض والماء والثروات ما يؤهله ليكون سلة غذاء لأمة بأكملها؟ وأي وجع أعظم من أن تمتد يد سودانية طلبا للغذاء، بينما تمتد أمامها ملايين الأفدنة القادرة على إطعام الملايين؟
إنها ليست أزمة موارد فحسب، بل أزمة إدارة ومسؤولية وضمير، تستوجب أن نعيد قراءة واقعنا في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، لا باعتبارهما مصدرا للمواعظ وحدها، وإنما منهجا لإقامة العدل وصيانة كرامة الإنسان.
استوقفتني آية عظيمة من سورة الحاقة، يقول فيها المولى عز وجل:
﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ۝ ولا يحض على طعام المسكين﴾.
تأملوا هذا الاقتران المهيب! لقد جاء عدم الحض على طعام المسكين عقب عدم الإيمان بالله العظيم، في سياق يكشف خطورة القسوة الاجتماعية وغياب الرحمة.
ولم يقل سبحانه إنه لم يطعم المسكين فحسب، بل قال: ﴿ولا يحض﴾، أي إنه لم يحث غيره على إطعامه.
وهنا تتجلى عظمة المنهج القرآني؛ فالمسؤولية لا تنتهي عند حدود ما تملكه، وإنما تمتد إلى ما تستطيع أن تحركه من خير.
وفي سورة الفجر يقول تعالى:
﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم ۝ ولا تحاضون على طعام المسكين﴾.
وفي سورة الماعون:
﴿أرأيت الذي يكذب بالدين ۝ فذلك الذي يدع اليتيم ۝ ولا يحض على طعام المسكين﴾.
إن تكرار هذا المعنى ليس أمرا عابرا؛ فالقرآن يؤسس لمجتمع لا يترك الضعفاء لمصائرهم، ولا يجعل الإحسان مجرد مبادرة موسمية، وإنما يحوله إلى ثقافة تضامن ومسؤولية.
وفي السنة النبوية يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف». متفق عليه.
وهنا درس عظيم؛ فليس كل محتاج يطرق الأبواب، وليس كل جائع يعلن جوعه. ورب أسرة تحفظ كرامتها بالصمت، بينما تعاني في الخفاء ما لا يعلمه إلا الله.
ويقول صلى الله عليه وسلم:
«الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله». متفق عليه.
فأي تكريم أعظم من أن ترتفع منزلة الساعي على المحتاجين إلى هذه المرتبة الرفيعة؟
ثم تأملوا قوله تعالى في سورة قريش:
﴿الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾.
لقد جمع القرآن بين نعمتين تقوم عليهما حياة الأمم: الأمن والغذاء. فلا استقرار مع الخوف، ولا كرامة مع الجوع، ولا نهضة حقيقية في مجتمع يعجز عن حماية ضروريات الحياة.
وحين ننظر إلى السودان اليوم، نجد أنفسنا أمام امتحان تاريخي لهذه القيم.
فالحرب شردت الملايين، وعطلت الإنتاج، وأرهقت الأسر، وجعلت الحصول على الطعام تحديا يوميا لكثير من المواطنين.
وفي سورة البلد يقول سبحانه:
﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة ۝ يتيما ذا مقربة ۝ أو مسكينا ذا متربة﴾.
والمسغبة هي المجاعة والشدة. وكأن الآيات تذكرنا بأن أعظم صور التضامن تتجلى حين تضيق الحياة، ويصبح رغيف الخبز وسيلة لإنقاذ إنسان.
ولذلك فإن واجب الدولة لا ينحصر في إدارة المعارك والأزمات، بل يمتد إلى حماية الإنتاج الزراعي، وتأمين سلاسل الإمداد، وتيسير وصول الغذاء، ومحاربة الفساد والاحتكار، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها.
أما المجتمع، بمساجده ومؤسساته وشركاته ومغتربيه، فعليه أن ينتقل من الصدقات المتفرقة إلى برامج تكافل منظمة ومستدامة.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». متفق عليه.
فهل يشعر جسد الأمة بأوجاع النازحين؟ وهل تتحرك مؤسساتنا حين يجوع الأطفال وتضيق الحياة بالأرامل والأيتام؟
إن الإيمان ليس كلمات نرددها دون أن يظهر أثرها في أخلاقنا، والتكافل ليس صورا تلتقط عند توزيع المساعدات، والوطنية ليست خطبا ترفع فوق المنابر.
الوطنية الحقيقية أن تحمي كرامة الإنسان، وأن تجعل خدمة الضعفاء شرفا، وأن تدرك أن الجائع لا ينتظر منا تفسيرا لمعاناته، وإنما ينتظر ما يسد جوعه ويحفظ إنسانيته.
وفي ختام استراحة الجمعة، أتوقف عند قوله تعالى:
﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ۝ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾.
يا لها من مدرسة في الإخلاص والعطاء! إطعام بلا من، وإحسان بلا استعراض، ورحمة لا تنتظر التصفيق.
إن السودان الذي نحلم به ليس وطنا تتباهى فيه المؤسسات بضخامة ميزانياتها، وإنما وطنا تتباهى فيه الدولة بأن أبناءها لا ينامون جائعين، ولا يتركون وحدهم في مواجهة الفقر والخوف.
فلنجعل من منابر الجمعة صوتا للجائعين، ومن مؤسساتنا سندا للمحتاجين، ومن موارد بلادنا طريقا إلى الكفاية والكرامة.
فالأوطان لا تقاس بما تختزنه أرضها من ثروات، بل بما توفره لأبنائها من أمن وعدل وحياة كريمة.
اللهم أطعم جائع أهل السودان، وآمن خائفهم، وآو مشردهم، واشف مريضهم، واجمع شملهم، وأعد إلى بلادنا أمنها وسلامها وعافيتها.
جمعة مباركة، وسودان معافى بإذن الله.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.