*الرتبة تزول… وشرف الضابط يبقى* *✍️ د. الشاذلي عبداللطيف*
الرتبة تزول… وشرف الضابط يبقى
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

الإحالة إلى التقاعد تنهي علاقة الضابط بالوظيفة، لكنها لا تنهي علاقته بالوطن. فالبلاد ليست راتبا ينقطع فنخاصمها، ولا منصبا نفقده فنبحث عن قيمتنا في الصف المقابل. ومن حمل السلاح باسم الدولة، وأقسم أن يصون أمنها ويحمي أهلها، يعرف أن القسم لا تنتهي صلاحيته بقرار إداري، وأن شرف العسكرية يظهر حين تضيق بالإنسان السبل، بقدر ما يظهر في ميادين الواجب.
لهذا، فإن محاولة تبرير انضمام بعض الضباط إلى المليشيا بأنهم أحيلوا إلى التقاعد، أو شعروا بالغبن، تطرح سؤالا لا مهرب منه: وماذا عن الآخرين الذين أحيلوا، وضاقت أحوالهم، وتعطلت طموحاتهم، ثم ظلوا أوفياء لوطنهم؟ لماذا لم يحملوا عليه السلاح؟ ولماذا لم يجعلوا خبراتهم العسكرية سلعة لمن يدفع، أو جسرا إلى رتبة يمنحها التمرد؟
لقد عرف كثير من الضباط مرارة الإبعاد، وبعضهم يرى أنه تعرض لظلم يستوجب الإنصاف. ومع ذلك، مضوا إلى حياتهم بشرف؛ منهم من عمل بالتجارة، ومنهم من اغترب، ومنهم من بدأ من الصفر في مهنة لم يتخيل يوما أنه سيمارسها. تحملوا قسوة الظروف، وحفظوا لأسرهم كرامتها، ولتاريخهم احترامه. هؤلاء قدموا بمواقفهم أبلغ رد على من يتخذ الإحالة ذريعة للتنكر للوطن
وأكتب هذا من معرفة بمرارة الإحالة، وبما تتركه في النفس من أسئلة ووجع. أعرف أن الحديث عن الصبر يبدو سهلا لمن لم يجرب فقدان عمله، وأن المطالبة بالحقوق ليست ترفا ولا خروجا على الانضباط. لكنني أعرف أيضا أن الوطن أوسع من القرار الذي ظلمني، وأن المواطن الذي يحتاج إلى الأمن لم يكن صاحب ذلك القرار حتى يدفع ثمن غضبي.
من حق الضابط أن يتظلم، وأن يطرق أبواب القضاء، وأن ينتقد الخلل ويطالب بإصلاح مؤسسته. ومن واجب الدولة أن تنصفه، وأن تراجع القرارات المجحفة، وأن تحفظ حقوق من خدموها. غير أن عدالة المطالبة تتهاوى عندما تتحول إلى ذريعة للانضمام إلى قوة تحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة. فكيف يستقيم أن يطالب المرء برفع الظلم عنه، ثم يقبل طريقا يعرض غيره للخوف والاقتلاع وفقدان الأمان؟
وأشجب، من موقع الوفاء للسودان والانتماء إلى شرف الخدمة، اختيار من يحملون السلاح ضد وطنهم وينضمون إلى المليشيا، وأرفض اتخاذ الإحالة أو المظالم الوظيفية ستارا لهذا الاختيار. فأي إنصاف يطلبه ضابط على حساب أمن أهله؟ وأي مجد يبنيه فوق خوف الأطفال ووجع الأمهات؟ إن الخبرة التي اكتسبناها لخدمة شعبنا أمانة، وتوجيهها إلى صدور أبنائه خيانة لتلك الأمانة وتنكر للقسم. ومن فرط في شرفه، لن تعيده إليه رتبة تمنحها المليشيا.
ولا نحتاج إلى الجزم بدوافع كل من انضم؛ فقد تتداخل الحسابات الشخصية والسياسية والمادية. لكن اختلاف الدوافع لا يعفي صاحب القرار من مسؤوليته. ومن اختار المال أو المنصب على حساب أمن بلاده، لا يستطيع أن يجعل من جرحه الوظيفي شهادة براءة، ولا أن يستعير مظالم زملائه لتجميل اختياره.
أما الضباط الذين حفظوا عهدهم، فلا ينبغي أن يبقوا خارج الصورة. هؤلاء علمونا أن الإنسان يستطيع أن يختلف مع السلطة، ويتمسك بحقه، ويرفض الظلم، ويظل أمينا على وطنه. لم يحتاجوا إلى منصب جديد ليثبتوا قيمتهم؛ فقد أثبتتها مواقفهم يوم صار الثبات مكلفا، وأكدوا أن كرامة الضابط لا تشترى بمنصب ولا تباع بمال.
إن بناء السودان يحتاج إلى دولة عادلة، ومؤسسات مهنية، وإنصاف لا يستثني أحدا، وإلى ضمير يضع حرمة الدم وأمن المواطن فوق الخصومات والمطامع. سيبقى السودان أكبر من جراحنا الشخصية، وسيبقى واجبنا حمايته وصون كرامة أهله. ستزول المناصب، وتتغير الرتب، وتبقى للإنسان سيرته؛ فطوبى لمن خسر موقعه وحفظ شرفه، ولمن ضاقت به الدنيا وظل السودان واسعا في قلبه.
