منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر د. مصعب بريــر لماذا تتعثر قرارات تمويل الطاقة الشمسية في دهاليز البيروقراطية؟

0

البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
لماذا تتعثر قرارات تمويل الطاقة الشمسية في دهاليز البيروقراطية؟

حين تصدر الدولة قراراً استثنائياً لمواجهة أزمة وطنية خانقة، فإن المواطن لا يقرأ النصوص القانونية بعين الحذر، بل يقرأها بعين الأمل؛ يبحث عن بصيص النور وسط عتمة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي واستهداف محطات الطاقة. غير أن المسافة الفاصلة بين ما يقرره رأس الدولة وما يختبره المواطن على شباك المعاملات المصرفية تبدو أحياناً كأنها فجوة بين عالمين؛ عالم يفهم كلفة المعاناة ويتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعالم آخر مأسور في شرنقة اللوائح الصارمة والحسابات الضيقة التي تبحث عن كيفية الالتفاف على روح القرار قبل تنفيذه.

لقد جاءت التوجيهات السيادية وقرارات رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، مدعومة بموجهات بنك السودان المركزي، لتمثل حبل نجاة حقيقياً للملايين من السودانيين الذين أنهكتهم أزمة الكهرباء. إعفاء منظومات الطاقة الشمسية بالكامل من الرسوم الجمركية والضرائب وأي أعباء حكومية أخرى، وتوسيع نافذة التمويل المصرفي عبر الجمعيات التعاونية والمؤسسات بضمان الاستقطاع المباشر من الرواتب، وتمديد فترة السداد لثلاث سنوات، وإلغاء الرسوم البنكية؛ لم تكن مجرد حزمة إعفاءات عادية، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن تحول المجتمع نحو الطاقة البديلة أصبح ضرورة أمن قومي ومعيشي لا تحتمل التسويف أو التعطيل البيروقراطي.

لكن المفارقة الصادمة التي تستوقف كل متأمل في الواقع المصرفي السوداني تكمن هنا بالضبط؛ فما أن استبشر المواطن والجمعيات التعاونية خيراً وتوجهوا نحو المصارف لترجمة هذا الحق إلى واقع ملموس، حتى اصطدموا بتفسيرات غريبة ومراوغة من بعض البنوك التي أبَت إلا أن تفرغ القرارات من مضامينها. فبدلاً من الالتزام بسقف الثلاث سنوات كحد أقصى للسداد، تمنع بعض المصارف هذا الحق وتفرضه في حدود السنتين، بل وتُصرّ على حشر تمويل الطاقة الشمسية قسراً تحت بند “التمويل الأصغر” بشروطه المعقدة وقيوده الثقيلة، متجاوزة التوجيهات الصريحة بإعفاء هذه الطلبات من كافة الرسوم البنكية، لتخترع رسوماً جديدة تحت مسميات إدارية وخيالية تثقل كاهل الموظف البسيط وتجهض الفكرة من أساسها.

هذا التحايل المبطن لا يعبر بالضرورة عن مؤامرة منظمة، لكنه يفضح عاهة إدارية مزمنة تعاني منها المنظومة المصرفية؛ حيث تصر المصارف في أوقات الأزمات على التصرف بمنطق التاجر الحذر الذي لا يرى في الكارثة الوطنية سوى مخاطر يجب اتقاؤها بزيادة القيود، لا فرصة وطنية يجب تعضيدها بالتنازل عن الهامش الربحي المفرط وتقديم التسهيلات الحقيقية. عندما يتعامل الجهاز المصرفي مع قرارات سيادية تستهدف حياة الناس ومعاشهم وكأنها مجرد تعميم إداري قابل للاجتهاد والتأويل، فإنه لا يخالف النص فحسب، بل ينسف الثقة الهشة أصلاً بين المواطن ومؤسسات دولته.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: من يحاسب هذه البنوك على تجاوزاتها؟ ولماذا يقف الجهاز المركزي للمصارف متفرجاً أمام هذا التفسير الفضفاض والمتعنت للقرارات الواضحة؟ إن الاكتفاء بإصدار التوجيهات دون متابعة صارمة لآليات التنفيذ على أرض الواقع يترك المواطن رهينةً لمزاجية موظف الإئتمان وقرارات مجالس إدارات تتعامل مع الأزمات الوطنية بمنطق السلامة البنكية البحتة، متناسية أن استقرار المجتمع وسلامة بنيته الأساسية هما الضمان الحقيقي لبقاء هذه المصارف نفسها واستمرارية عملها.

إن الأزمة الاقتصادية والخدمية الراهنة تختبر كفاءة مؤسسات الدولة في فرض إرادة الإصلاح وتذليل العقبات أمام المواطن. والطاقة الشمسية لم تعد رفاهية ترفيهية أو استثماراً تجارياً عابراً، بل هي طوق النجاة الأخير للأسر، والمستشفيات، والمؤسسات الخدمية الصغرى في مواجهة شلل قطاع الكهرباء. وحين تتحول البنوك التي يُفترض أن تكون ذراعاً تنموياً إلى مجرد حراس للقيود والتعقيدات، فإنها تتحول إلى جزء من المشكلة لا من الحل، مما يفرض تدخلاً سيادياً حاسماً لا يقف عند حدود التوجيه النظري، بل يمتد لإنشاء محفظة تمويلية متخصصة ومستقلة للطاقة البديلة، مع وضع آليات واضحة للتعويض البنكي والرقابة الصارمة التي تحاسب كل جهة تثبت عرقلتها لجهود إنقاذ المواطن.

خلاصة القول، إن تفكيك هذه العقدة الإدارية لا يتطلب مزيداً من القرارات الإنشائية، بل يتطلب شجاعة مؤسسية في تطبيق القانون ومساءلة المتقاعسين. فالأوطان لا تُبنى بالنوايا الطيبة وحدها، بل بصرامة التنفيذ وحماية حقوق الناس من عبث الروتين.

وأخيرًا، تبقى الحقيقة الأقسى أن أخطر ما يواجه القرارات العظيمة ليس رفضها علانية، بل تشويهها بصمت في أروقة المصارف التي تحول النور المأمول إلى سلعة ثقيلة لا يدرك تكلفتها إلا من يكتوي بنار العتمة كل ليلة.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر

musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.