منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

د.السر احمد سليمان يكتب: *موجهات لإدارة الذات اهتداء بسورة التكاثر*

0

– أولا: تقديم الأهم على المهم في الأعمال، والدليل على ذلك أنّ مطلع سورة التكاثر يتضمن توجيها بأن لا يلهينا التكاثر. وكلمة اللهو في اللغة تدُلُّ عَلَى شُغْلٍ عَنْ شَيْءٍ بِشَيْءٍ. وكُلُّ شَيْءٍ شَغَلَكَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أَلْهَاكَ (ابن فارس). واللَّهْوُ: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه.. ويعبّر عن كلّ ما به استمتاع باللهو (الأصفهاني). فالإلهاء هو الانشغال بغير المهمات عن المهمات فهو مرتبط بإدارة المهام، حتى لو كان ذلك انصرافا عن أشياء مطلوبة، ولكن نظرا لوجود ما هو أهم منها، فإنّ الانصراف عن المطلوب في لحظة ما إلى غير المطلوب في تلك اللحظة يعد التهاء، قال الله عزّ وجلّ في سورة عبس: {وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى}. وذلك لأنّه انصرف عن ذلك الأعمى إلى أشخاص آخرين من أجل دعوتهم إلى الإسلام.

– ثانيا: مراعاة الموازنة في الأعمال، فليست كل الأعمال ينبغي المكاثرة فيها، وخاصة الأعمال التي لا ترتبط بالنواتج المفيدة، أو التي لا يترتب عليها فلاح. وكما ورد في مطلع سورة التكاثر إشارة إلى تجنب التكاثر الملهي، فقد ثبت أنّ الإكثار من الأعمال مأمور به في مواضع أخر في القرآن الكريم، ولكن ذلك الإكثار هو الذي يكون في الأعمال المرتبطة بالفوز والفلاح، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: {.. وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُون}[الأنفال:45]. وهذا يدل على أنّ الأعمال متفاوتة ومختلفة، ولذلك فإنّ الإكثار يكون محمودا ومطلوبا في الأعمال الفاضلة، ويكون منبوذا ومنهيا عنه في الأعمال المفضولة، وهذا يقتضي التبصر والتأكد من نوعية الأعمال التي نقوم بها، وذلك وفق معايير صارمة، حتى لا نستهلك وقتنا ونفني أعمارنا في أعمال ينبغي ألا نكثر فيها.

– ثالثا: الوعي بالوقت وحسن إدارته وضبطه يرتبط بتجنب التكاثر الملهي، أو الالتهاء بالتكاثر غير المجدي، وبالنظر لسورة التكاثر يتضح أنّ الذين ألهاهم التكاثر لم يستطيعوا إدارة وقتهم، بل لم يكونوا واعين بوقتهم حتى انقضى عمرهم سريعا ودخلوا المقابر. وفي هذا إشارة إلى أنّ التكاثر في الأعمال غير المهمة سيكون ملهيا ومخدرا عن الوعي بقيمة الوقت وتغيرات الزمن، والدليل على ذلك أنّه يجعل الفرد يفني عمره حتى يموت ويدخل القبر، وكأنّه في زيارة عابرة. وهذا يفيد بأنّ الأعمال الهادفة والمطلوبة تجعل الفرد مستبصرا بوقته وواعيا به ومنظما له بصورة فعالة.

– رابعا: النظر للمآلات هو أهم مخرجات التعلم التي تقي من التكاثر الملهي، كما تشير إلى ذلك الآيات في سورة التكاثر: {{كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُون * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِين}. وبالتالي فإنّ أي عمل يقوم به الإنسان يقتضي أن يكون واعيا وعالما بنتائجه ومآلاته، ولو كانت الإنسانية تمتلك هذا الوعي والاستبصار اليقيني بالنهايات والمآلات لما أصبحت تحصد نتائج علمها القاصر، الذي جعل الكوكب الأرضي يؤول إلى نهايات مخيفة، فيما يتعلق بالتسلح النووي والصناعات المؤدية للاحتباس الحراري وغيرها من الآثار الناتجة من العلوم التي لم تراع النهايات والمآلات، ولم تستبصر بالتعلم اليقيني الذي يجعل المآلات مرئية قبل أن نشرع في البدايات.

– خامسا: تحمل المسؤولية عن كل ما ننعم به في حياتنا: تفيد الآية الأخيرة في السورة إلى أهمية تحمل المسؤولية بصورة جادة عن النعيم: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم}[التكاثر:8]. وذلك فيما يتعلق بوجودنا وما يتعلق بمن حولنا وما يتعلق بمهامنا، فالإنسان منعم عليه من ربه، ومسخر له الكون والكائنات، ولكن هذا الأمر يقتضي تحملا كبيرا للمسؤولية، ويقتضي وعيا وهمة ومحاسبة وتقويما مستمرا.

والله أعلم

د السر أحمد سليمان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.