المعز إبراهيم الهادي *من الأجدر برئاسة الوزراء؟!* *هشام الشواني ام مبارك الفاضل؟!*
المعز إبراهيم الهادي
*من الأجدر برئاسة الوزراء؟!*
*هشام الشواني ام مبارك الفاضل؟!*

قبل حوالي أربعين سنة كان السيد مبارك الفاضل وزيراً للداخلية في حكومة منتخبة قادها إبن عمه الصادق المهدي..
يعني ذلك أن السيد مبارك الفاضل حينما كان وزيراً في الثمانينيات من القرن الماضي فإنّ منافسه المفترض على منصب رئيس الوزراء – حسب هذا المقال – وهو المهندس هشام عثمان الشواني لم يكن على الأرجح قد ولد!!
ففي أيام وزارته وفي عام 1987 وفي واحدة من جلسات البرلمان حدث تلاسن بين السيد مبارك الفاضل والدكتور محمد يوسف ابو حريرة وزير التجارة والتعاون والتموين..
كان مبارك الفاضل قد انتقد بسخرية وتهكم طريقة أداء الوزير ابو حريرة وتصلّبه في مواقفه وحاول أن يقلل من شأنه ومركزه ، فغضب الدكتور ابو حريرة ورد عليه قائلاً..
“شكراً للسيد وزير الداخلية.. لا أقول السيد إحتراماً للشخص ، ولكن أقولها احتراماً للمنصب ، ولا أقول شكراً لما أدلى به ، ولكن أقولها تقديراً للمجلس”..
في تلك الفترة كنت أعرف الدكتور ابو حريرة عن قرب ، وكنت أعرف إستياءه مما قاله مبارك الفاضل..
ومن بعد أحد عشر سنة من تلك الواقعة التقيت بالسيد مبارك الفاضل لأول مرة في جامعة لايدن بهولندا..
حينذاك ، كان الرجل يعمل أميناً عاماً للتجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يعارض حكم الإنقاذ..
وكنت أعمل رئيساً مناوباً لمنظمة بادا للسلام والتنمية ومنسقاً عاماً لمؤتمراتها..
عقدت المنظمة مؤتمراً في جامعة لايدن بعنوان “القرن الأفريقي بعد الرئيس عمر البشير” تحدث فيه بالإضافة لمبارك الفاضل ، بونا ملوال ومنصور يوسف العجب وأساتذة جامعيين من المهتمين بالشأن السوداني وما يحدث في منطقة القرن الأفريقي..
كانت الفرصة مواتية لي لتقديم شكوى ضد التجمع الوطني الديمقراطي وبعض منتسبيه للسيد مبارك الفاضل..
دعوت الرجل إلى مكتبي وجلست أحدثه لمدة ساعة عن ممارسات قبيحة شائنة يقوم بها فرع التجمع الوطني الديمقراطي أخبرني بها موظفين في وزارة العدل الهولندية كنت على صلة بهم..
لم يكن الغرض من حديثي إصلاح شأن التجمع لأن أمره لم يكن يعنيني ، لكنّ غرضي كان تنبيه الرجل لقضية كنت قد رفعتها ضد التجمع وطالبت فيها بالتعويض بمبلغ مالي كبير..
بعد أسبوع من ذلك الإجتماع ، وبعد تحققه من الأمر حصحص السيد مبارك الفاضل بالحق ، فأرسل من مكتبه في لندن رسالة قوية ومعبّرة مهرها بتوقيعه وختمه – ما زلت أحتفظ بها – ورد فيها إعتذار قاطع وتراجع صريح عمّا ارتكبه التجمع الوطني في حقي..
وبسبب هذه الرسالة وإكراماً لموقف الرجل وكما وعدته من قبل ، طلبت من المحامي (يان فان هوفدايك) الذي كان يمثّلني ، سحب القضية المرفوعة والتنازل عن المبلغ المالي الذي طالبت به..
ولهذا السبب إستمرت علاقتي بالرجل حتى يومنا هذا ، اُبادله الود والإحترام ويبادلنيهما..
ولهذا السبب ايضاً أكون متريثاً في انتقاد مواقف الرجل ، فأنا أحفظ له موقفه القديم واُراعي حبل وده المتصل..
بعد هذه الديباجة أقول للسيد مبارك الفاضل الآتي..
قليل مِن بيننا مَن تحركهم قيمة هي أكبر من كل شئ ، وقليل من يسعون لجلب مصلحة هي أهم من كل شئ ، وقليل من يعملون لأجل غاية هي تعني كل شئ..
وبقدر ما يروم هؤلاء القليلون من معانٍ ملهمة وآفاق مستشرِفة لحياة أفضل ، فهم يدركون أن بلادنا الآن في ورطة كبيرة تسبب فيها أناس كثيرون ، سياسيون وطائفيون وعسكريون وأكاديميون وإعلاميون واقتصاديون وقانونيون وأصحاب رأي ومفكرون وأغنياء ومتنفذون ، وآخرون طائشون وأنانيون وسطحيون وساذجون ومخترقون وعملاء وبواقي قوم..
ولكي تنجو البلاد من بأس هو قادم في الطريق إليها لا محالة ، ومن وهدة قد تكون مستمرة فيها بلا نهاية ، فهي في حاجة لفئة من الناس مصطفاة ، تكون مختارة بعناية ، خيار من خيار أبناء البلد وبناته من مختلف سحناتهم وأعراقهم وتوجهاتهم ومرتكزاتهم ومناطقهم..
هؤلاء يَكوْنون طليعة استراتيجية متقدمة ، موهوبة ومؤهلة للإبتكار ومتدربة ، وصاحبة مهارة واُفق ، ولها بُعد ونظر ، تعرف ما هو العهد الجديد وكيف يكون ميزانه الجديد ، وتعمل من أجل تنزيله في الواقع وتحقيق الخير به للناس..
فئة لا تخشى في الحق اللوم ، ولا تبحث عن غُنم ، مجموعة من النجباء العقلاء وأصحاب المصلحة في الدفع بالسودان للأمام ليكون أفضل من حالته في سنين توهانه السبعين الماضية ، وهؤلاء – من حسن حظنا – موجودون بيننا..
يحتاج السودان الآن لشخص واحد في كابينة القيادة يكون هو الرئيس وعنوان العهد الجديد – وحبذا لو كان الفريق البرهان – يقود هذا الشخص مسيرة البلاد نحو النصر المؤزر في الحرب ثم تهدئة خاطر الأمة ويسعى لانتشالها من وهدة هي رازحة فيها منذ أمد بعيد ، ودائرة مغلقة هي تائهة فيها منذ زمن طويل..
كما ويحتاج لمجموعة من الشباب لقيادة مستقبله..
فكل من بلغ الستين من عمره فليفسح المجال لغيره وليتوكأ ويتوكل وينسحب من المشهد ليرتاح هو ، ويرتاح الناس منه..
وكل تابع لطوائفنا المتناحرة فعليه أن يتقي الله في نفسه وفي الناس من حوله ويتراجع ، ثم فليبحث عن كلمة حق يستظل تحتها ونور هداية يكشف له معالم الطريق..
وكل من تحدثه نفسه بإعادة إنتاج الإنقاذ فليلجمها..
وعلى الأحرار وأصحاب الضمائر الحيّة والمواقف الثابتة والنفوس الخيّرة والعزيمة الصادقة أن يسعوا ما استطاعوا لقفل الطريق على من سبق عليهم القول وجرّبوا وخرّبوا وذبذبوا في مواقفهم..
وعلى سودان العهد الجديد أن يدرك الآتي..
أن التعلق بالوثيقة الدستورية كأنها كتاب مقدّس لن يجلب خيراً للبلاد..
وأن إتفاق جوبا لا يجب أن يكون سكيناً مسمومة في خاصرة الوطن ، وأن المستفيدين منه – لو كان فيهم خيراً – لطلبوا مراجعته وتنازلوا منه ، فمعروفون من كانوا مِن وراءه ، ومعروف ماذا كانوا يرومون من إمضاءه..
وليُدرك سودان العهد الجديد بأنّ الأطر القديمة البالية لا فائدة يرتجيها منها ولن تقدم شيئاً للأمة..
وبهذه الحيثيات..
فإنّ إلغاء مجلس السيادة يصير ضرورة..
وأنّ تشكيل حكومة استراتيجية شابّة يصير ضرورة..
ولذلك ، فإن حكومة الأمل والمستقبل يجب أن يقودها شاب ثلاثيني او أربعيني لا أزيد من ذلك ولا أكثر..
شاب واعد يشحذ من كبرياء الأمة ، ويناديها ليحفظ لها أمنها ووحدتها وسلامتها وعزتها وكرامة وجودها ، ويقودها لنهضتها وإزدهارها وتطلعها ، ويسعى لإنسجامها واستقرارها بجميع مكوناتها ليُنسيها آلام ماضيها المظلم القريب وتاريخها الحالك المتكرر البليد..
ويجب على سودان العهد الجديد أن يدرك بأن الديمقراطية ليست غاية في ذاتها ، والمدنية ليست حكراً في كلمتها ، إنما الغاية هي الحرية والحياة الكريمة المتساوية في وطن يشيع فيه الأمان والطمأنينة والسلام ، ويشعّ فيه العدل والوئام والإنسجام ، وتتوفر فيه الفرص ويكون فيه الإستقرار..
وأن يدرك هذا العهد الجديد كذلك بأنّ النموذج الغربي للحياة ليس هو أفضل نماذجها ، وأن السودان مؤهل بشبابه وشاباته على بداية رص الصف من جديد وفق رؤية استراتيجية بعيدة تكون ملهمة للجميع..
فلنتفق على كلمة سواء..
أن تبعد من الطريق أحزابنا التي لم تنجح..
وطوائفنا التي لم تفلح..
وكل الذين سقطوا في إمتحان الوطن..
او هرّجوا فينا السنين..
او فرّجوا فينا الآخرين..
ولتُلغي الحرب ما قبلها ، ولتنسخ ما سبقها ، ولتجُبّ كل شيء خلفها ، ولتكن النازلة هي الفاصلة..
فقُدامى القوم لن يقدموا للأمة شيئاً يشفي صدرها ، او يطفئ النار التي في جوفها ، او يزح الغل الذي يأكل في الباقي من جسدها..
يحتاج السودان الآن لشباب في الواجهة من صفوة أبناءه الحقيقيين الناجحين وبناته الملهمات صاحبات الوجوه العميقة المتأملة ليقوم من رقدته الطويلة ومرضه المزمن..
فكلّما سِرنا في الأرض يعلمنا التاريخ أنّ الشعوب يبنيها شبابها المقبلين على الحياة ، لا عجائزها المقلبين على الموت..
فلننظر ماذا فعل جستن ترودو في كندا ، وليو فارادكار في ايرلندا ، وسانا مارين في فنلندا ونجيب بوكيلة في السلفادور وماذا فعل من قبلهم باتريس لوممبا في الكونغو وتوماس سانكارا في فولتا العليا – سابقاً – ولي كوان في سنغافورة وجون كينيدي في الولايات المتحدة وفيليكس بوانيي في ساحل العاج ، وماذا يفعل إبراهيم تراوري في بوركينافاسو..
يجب أن تكون الحرب هي الخيط الفاصل والخط الواضح ما بين السودان القديم بكل مكوناته والعهد المنتظر ، فهي الآن الأمل الوحيد للميلاد الجديد قبل أن يموت الوليد..
فليتصالح من أجل الوطن الشواني وإخوانه وكل المُلهِمين ، وليكونوا هم بداية العهد الجديد والنور الوليد والوعد التليد والسودان المجيد ، وليكونوا هم نور الوطن ومنارته ، ولينسوا الغم الذي ورثناهم له والهم الذي أثقلنا به صدورهم والمشاكسة التي بيننا..
فيا سيد مبارك..
قد فوّتنا فرصتنا..
فلا نفوّت فرصة أبناءنا وبناتنا..
كنّا للأسف كلمّا اوقدنا بيننا ناراً للحرب واطفأها الله أشعلنا ناراً غيرها ، ثم كوينا بها شعبنا..
فلا نجعلهم مثلنا..
ولا ينساقوا خلفنا..
ولا يأخذوا ذنبنا..
ولا يعيشوا حقدنا على بعضنا..
قد نلنا حظنا فلا نأخذ حظهم..
وفشلنا في تدبير أمرنا فلا نُفشل تدبير أمرهم..
ظلمناهم وافقرناهم وشردناهم كل تشرد ، ثم دمرناهم وقفلنا الآفاق الواسعة التي كانت أمامهم ، وأوصدنا في وجههم كل باب ، وقعدنا لهم كل مرصد..
فلنتركهم..
وليجرّبوا حظهم..
فلربما ورّثوا أبناءهم وبناتهم أفضل مما ورثناهم..
ولربما حفظوا السودان أمانة في أعناقهم..
ولربما كان الخير فيهم..
لك التحية..
ومن الود ما تعرفه..
