منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*حين يصبح المسجد منصة.. الدولة السودانية* د. إسماعيل الحكيم..

0

*حين يصبح المسجد منصة.. الدولة السودانية*

 

د. إسماعيل الحكيم..

_Elhakeem.1973@gmail.com_

ج
القطينة مدينةٍ ليست ككلّ المدن، وهي بقعةٍ سبقت الدولة الحديثة وتجاوزت ذاكرة الأجيال، وقف على ترابها الفريق أول عبد الفتاح البرهان مخاطبًا أهل السودان ومن على منبر مسجدها ، بزيّه العسكري الكامل، في لحظةٍ إختلط فيها صوت الدولة وروح المجتمع، وامتزجت فيها رمزية المكان مع دلالة الكلمة وثقل القسم غير المعلن.
القطينة، هذه المدينة التي نشأت قبل العهد التركي، والتي احتضنت في العام 1902م أول مدرسة نظامية في السودان، بسطت أمام قائد الجيش أرضًا مشحونة بالتاريخ، ومفعمة بعمق الوعي، ومتحفزة للبوح برسالة لا تُطلق عبثًا من هذا الموضع ولا في هذا التوقيت.
جاء خطاب البرهان في لحظة سياسية فارقة، فالعالم الذي ظلّ متذبذبًا في موقفه متردداً انكشف ظهرُه أخيرًا للمليشيا ومن يقف خلفها لا امامها. فقد خرجت تصريحاتٌ أمريكية وأوروبية وأممية تُعلن فجوة الثقة مع التمرد، وتؤكد انهيار رواياته وضلاله القديم ، بينما يتبدّى تغيّر حاسم في مزاج المجتمع الدولي تجاه دويلة الشر التي موّلت الخراب وساهمت في نزيف الوطن السوداني الأبي.
في هذا المناخ، بدا خطاب البرهان من القطينة تأكيدًا رسميًا وشعبيًا لَا سبق على أن السودان يقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها توحيد الجبهة الوطنية خلف القوات المسلحة ومسانديها واستعادة القرار السيادي بعيدًا عن إرادات الخارج وضغوطه.
لم يكن الحديث عن استئصال المليشيا حديثًا عسكريًا فحسب؛ بل إعلانًا ضمنيًا عن بداية النهاية لاقتصادِ الظلّ والسلب والنهب الذي فرضته المليشيا على العاصمة و الولايات والأقاليم.
فالاستقرار الأمني هو الشرط الأول لعودة المؤسسات، ولعودة المصانع، ولميلاد دورة اقتصادية جديدة تُعيد للسودان مكانته وتُطلق إمكاناته العالية.
إن خطاب القطينة حمل رسالة واضحة:
أن القضاء على المليشيا ليس نهاية حرب فقط، بل بداية اقتصاد مستنير وفاعل..
اختار البرهان المسجد، واختار المنبر، واختار خطبته بعد صلاة الجمعة، منطلقاً الخطابه لا من قاعة رسمية ولا عبر بيان مكتوب.
وفي ذلك دلالة عميقة، إذ إنه خاطب الشعب من فضاءٍ يشبهه، ومن مكان يجد فيه السودانيون الطمأنينة واليقين.إنه خطاب من قلب المجتمع إلى قلب المجتمع، ومن محرابٍ تحركت منه أعظم التحولات في تاريخ الأمة الحديث والقديم..
وقد فهم أهل القطينة – بما يحملونه من إرث التعليم والوعي – الرسالة جيدًا؛ فالمنبر ليس منصة للخطابة، بل منصة للعهد، والوعدُ الذي يخرج منه لأنه وعدٌ غير مكذوب.
ظهور البرهان بزيّه العسكري الكامل داخل المسجد لم يكن تفصيلاً صغيرًا، بل رسالة مكثفة تقول : إن الحرب لم تُضعف الجيش ولم تقنّط الشعب ، وإن القيادة ما زالت وسط جنودها، وإن المعركة لم تغيّر طبيعة الدولة ولا مفهوم السلطة، بل جعلت المؤسسة العسكرية أكثر التصاقًا بالشعب وإرادته.
ووعده الحاسم باستئصال المليشيا من على المنبر، بعد صلاة الجمعة، وفي حضرة المواطنين، وفي مدينة كانت منارات التعليم فيها تشق ظلام التاريخ… كل ذلك جعل الوعد أقرب إلى قسمٍ معنوي أمام الله والناس، قسمٍ يحمل ملامح الحسم القريب، بحول الله وقوته.
لم يكن اختيار القطينة خبط عشواء . هذه المدينة التي خرّجت أوائل المتعلمين، وشهدت أول خطوات النهضة التعليمية، تعود اليوم لتشهد مرحلة جديدة من الوعي الوطني، وتصبح محطة لإطلاق رسالة مفصلية في حرب السودان الكبرى ضد التمرد. إنها رسالة إلى الداخل والخارج معًا: أن السودان، برغم الجراح، ما يزال يقف على أرضٍ صلبة، وأن الذاكرة الوطنية التي تحرسها القطينة قادرة على صنع مستقبل جديد.
ففي زمن الاضطراب الإقليمي والدولي، وفي ظل سقوط الأقنعة عن داعمي الخراب، يأتي وعد القطينة ليصنع يقينًا جديدًا وراسخاً
أن هذا الوطن لن يُترك نهبًا للمليشيا ولا لدويلة الشر، وأن الجيش – بقيادته وجنوده – ماضٍ في طريق النصر حتى نهايته بإذن الله تعالى..
وإذا خرج الوعد من محراب المسجد، ومن منبر الهدى والإرشاد، وفي يوم الجمعة، ومن قائد الجيش، فإنه وعد لا يخالطه شك، ولا يقترب منه كذب، ولا يمنعه إلا ما يشاء الله…
وإن الله – وهو الحق – لا يُخيّب وعد الصادقين إذا عزموا وتوكلوا.جة

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.