منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

محمد طلب يكتب :  *(غيب و تعال) اخر مقال في 2025*

0

محمد طلب يكتب :

 

*(غيب و تعال) اخر مقال في 2025*

 

دائماً ما أجد نفسي أستدعي الأغنيات عند محاولة فهم الواقع لا بوصفها ترفاً سمعياً أو حنيناً بريئاً بل باعتبارها واحدة من أخطر أدوات تشكيل الوعي فالأغنية السودانية أكثر من أي خطاب مباشر تسللت إلى الوجدان وصاغته بهدوء و علمته كيف يحب بل كيف يكره بعد فشل التجربة الاولي وكيف تكون وصاياه للقلب المنكسر قاسية جداً وقد سقنا امثلة كثيرة في مقالات سابقة .. الاغنية تعلم الوجدان كيف يحزن و كيف ينتظر و كيف يتصالح مع الألم أحياناً دون أن يسأل عن أسبابه و هذا الإيمان بأن الغناء ليس انعكاساً للحال فقط بل صانعاً له هو ما يدفعني مراراً لاستخدام الأغنيات كمفتاح لتحليل الأوضاع لأنني أعتقد و ربما (أجازف) أن جزءً معتبراً من اضطراب الوجدان السوداني لم تصنعه السياسة وحدها بل شارك في نحته غناء جميل، صادق، لكنه كثيراً ما مجد (الصبر) أكثر مما مجد (الفعل) و احتفى بـ(الثبات) والجمود أكثر مما احتفى (بالتغيير) والاستفادة من التجارب السابقة…

*(غيب وتعال)* للفنان الراحل هاشم ميرغني تُستقبل عادة كنص عاطفي دافئ .. نشيد وفاء وحنين، وتأكيد على أن المحبة لا تغيّرها الظروف ولا تهزها المحن وهذا صحيح من زاوية (الغناء العاطفي) و من حق المستمع أن يذوب فيها وجداناً… (دا ما موضوعنا.)..

الموضوع هو ما يقوله النص حين نُنزله من مقام العواطف إلى أرض الوعي و من حنجرة المغني إلى روح السوداني…..

النص منذ سطوره الأولى يعلن موقفاً واضحاً (نحن كما نحن) لم ولن نتغير :-

*(تلقانا نحن يانا نحن، ما غيرتنا ظروف، ولا هزتنا محنة)*
رغم ان المحن تتكاثر كل يوم .. لكن في الحب يبدو هذا وفاءً لكن في السياسة والاجتماع يصبح سؤالاً مقلقاً *هل عدم التغيير فضيلة مطلقة؟؟؟*..
أم أنه في بعض الأحيان عجز مقنع بالأخلاق؟؟؟.. النص لا يترك مساحة للاعتراف بأن التجربة تغيّر البشر، ولا بأن الصدمات تصنع وعياً جديداً كأن الألم مرّ بنا ليختبر صلابتنا فقط لا ليعلمنا شيئاً جديداً وعبرة وعظة التجربة

(غيب وتعال) ليست دعوة للعودة بقدر ما هي (تعليق للحياة) الغياب (لا يُغلق بابه) والعودة (لا تُفتح بشروط) جديدة و رؤية واضحة….
فقط تعال… لكن عد (كما كنت) تلقانا بنفس الأيادي، بنفس المشاعر، بنفس القلوب .. و هذه واحدة من أكثر الجُمل خطورة حين تُقرأ سياسياً لأن المجتمعات التي تشترط على (العائد) أن يكون نسخة من (الماضي) هي مجتمعات ترفض المستقبل دون أن تعلن ذلك صراحة الغائب هنا ليس حبيباً فقط، قد يكون قائداً فكرة، وطناً أو حتى زمناً نظنه أجمل لمجرد أنه انتهى.. لذا اجمل حقبنا السياسية و الاجتماعة حقب من الماضي

الضمير الجمعي في النص طاغٍ (نحن، حبابنا، شبابنا و ربابنا) لا فرد هنا و لا تجربة شخصية مستقلة الجميع ذائب في كتلة واحدة متشابهة، ثابتة، تخاف أن يخرج أحدها عن النسق .. وقد يكون ضمير الجماعة يرمي الي تعظيم الذات وفي كلا الحالتين ضياع وصيغة الجماعة تذكرنا بخطاب سوداني مألوف( نحن طيبون، نحن صابرون، نحن كما نحن منذ زمان)…
*و دا ما موضوعنا برضو*

الموضوع هو أن هذا الخطاب نفسه ظل يُستخدم لتبرير البقاء في ذات المكان والجمود .. الحزن في النص ليس مرحلة بل هوية:-

*ﺗﻌﺎﻝ ﻟﻲ ﻟﻴﺎﻟﻴﻨﺎ ﺍﻟﺒﻮﺍﻛﻲ ﺍﻟﻜﺎﻧﺖ ﺑﺘﻄﺮﺏ ﻳﺎ ﺯﻳﻦ ﻳﻮﻡ ﺗﺠﻴﻨﺎ*
*ﺑﺎﻟﺨﻄﻰ ﺍﻟﻮﺍﻋﺪﻩ ﻭﺭﺯﻳنة*
*ﻻ ﻧﺴﻴﻨﺎﻙ ﻭﺇﺳﺘﺮﺣﻨﺎ ﻻ ﻟﻘﻴﻨﺎﻙ ﻭﻓﺮﺣﻨﺎ ﻏﻴﺐ ﻭ ﺗﻌﺎﻝ*
*ﺗﻠﻘﺎﻧﺎ ﻧﺤﻨﺎ ﻳﺎﻧﺎ ﻧﺤن*

حتى الليالي التي كانت تطرب تُستدعى بصيغة الماضي الفرح ليس احتمالاً قادماً بل ذكرى بعيدة نطالب بعودتها (كما هي) وهذا جوهر المأزق السياسي والاجتماعي .. السوداني نريد الخلاص، لكننا نريده قديماً مألوفاً بلا تكلفة التغيير نريد عدالة .. لكن بلا مساءلة نريد وطناً .. لكن بلا إعادة تعريف ..و لذلك من غير المستغرب عندي (حرب العودة ) وكرامتها وتأييدها المختل و (البل)

الإنسان يتغير، و يتقدم، ويقاوم ليصنع غداً مختلفاً لا ليعيد إنتاج الأمس .. التغيير ليس خيانة للذات بل وفاء لها .. هناك اعتراف بأننا إن بقينا (نحن يانا نحن) إلى الأبد سنبقى في نفس النقطة مهما تغيّر العالم حولنا…

(غيب وتعال) لا تقول لا تتغيروا لكنها تقول ضمناً التغيير ليس مطلوباً الحب هنا مقاومة للزمن لا مصالحة معه وهو من أجمل ما في النص ومن أخطره في آن واحد لأن السياسة مثل الحب لا تحتمل الجمود.. الثبات على (القيم) شيء والثبات على الصور (القديمة) شيء آخر تماماً
النص إذن جميل، صادق، ومؤثر، لكنه يعكس جانباً عميقاً من الوجدان السوداني الخوف من (التغيير) حين يأتي في هيئة كسر لا في هيئة حنين و نحن نحب الحنين نحتمي به و نغني له… (دا ما موضوعنا.) موضوعنا هو أن الوطن لا يُدار بالحنين، ولا يُنقذ بالانتظار، ولا يعود كما كان لمجرد أننا ظللنا واقفين في نفس المكان…
ما حدث في بلادنا و مازال يحدث رسالة تنبهنا لمراجعة احوالنا و قبل نهايه هذه الحرب لابد ان لا نكون كما كنا والتغيير ضرورة ملحة في الحياة السودانية

سلام
محمد طلب
mtalab437@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.