السفير د. ابراهيم البشير الكباشي يكتب : *الارتزاق المعاصر … سرطان متوحش يهدد وجود الدولة القطرية 1-2*
السفير د. ابراهيم البشير الكباشي يكتب :
*الارتزاق المعاصر … سرطان متوحش يهدد وجود الدولة القطرية 1-2*

جيرمي سكاهل Jeremy Scahill كاتب أمريكي استقصائي سيال القلم. تعرفت على اعماله ، خاصة كتابه بعنوان Blackwater الذي صدر في العام 2008، حيث كشف ( ضمن ما كشف ) ما كان يتداوله ملاك شركة المرتزقة هذه في الأعوام 2005 و 2006 من مغريات دفعتهم ألى تخطيط نشط و جاد غايته احتلال .. [نعم احتلال] دارفور.
بلاكووتر شركة تتملك جيشا ارتزاقيا من متقاعدي جيوش غربية، و متقاعدي جيوش أمريكا الوسطى و الجنوبية، و من الذين خاضوا حروب المخدرات في تلك الدول ، خاصة كولمبيا، و من كيانات أخرى.
تتشابه أهداف و هياكل و وسائل بلاكووتر ( بدرجة تلامس التطابق ) مع أهداف وهياكل و و سائل الدعم السريع نسخة 2019 و ما بعدها.
تمتلك بلاكووتر عتادا حربيا متقدما، و طائرات، وتتمتع بمساندة سياسية أمريكية قوية.
و كما أورد جيرمي سكاهل في كتابه المذكور، فأن أحد أبرز قادة هذه الشركة يدعى كوفر بلاك Cofer Black ,كان يعمل في السفارة الأمريكية بالخرطوم ، و قد اقنع شركاءه في بلاكووتر، وفق ما توافر له – على ما يبدو – من معلومات تحصلها من طوايا الحراك السياسي في السودان تحت غطاء عمله الدبلوماسي، بأنه في مقدور شركتهم فعلا احتلال اقليم دارفور !
و يروي جيرمي سكاهل، بأن بلاكووتر قد طرحت فكرة (مشروع ؟!) غزو السودان على مسؤولين أمريكيين، و آخرين من حلف الناتو لم يسمهم !! و بكلمات سكاهل في كتابه المذكور ما نصه :
” Black suggested that Blackwater could
deploy its forces in the Darfur region of Sudan, adding that Blackwater had already pitched the idea to unnamed US and NATO officials. ”
و ذهب سكاهل يعدد ، بجرأة و حماس جهير ،المغريات الدافعة لبلاكووتر لأحتلال دارفور. و من ذلك اعتقادهم أن غزو دارفور و احتلالها يفتح لهم بابا واسعا للثراء، مدفوعين في ذلك بما تتلقاه من دعم سياسي في بلاد منشئها. ذلك الدعم السياسي هو الذي هيأ لها بالفعل استمزاج فكرة غزو السودان بجدية و حماس، خاصة انها قد دخلت عام 2003 في العراق متعاقدة مع الحكومة الأمريكية دون أن يحظى أصلا غزو أمريكا للعراق بأجازة شرعية من مجلس الأمن الدولي. فلا غرابة أن سعت لأحتلال دارفور ، و السودان حينها ينتاشه سيل دافق من قرارات الأمم المتحدة الهادفة للتدخل بأشكال مختلفه، بما في ذلك الغزو العسكري.
فخلال 22 عاما (1996-2018) كان نصيب السودان من قرارات مجلس الأمن أكثر من خمسين قرارا. منها ما صدر تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. و اخرى اجرائية متنوعة.
كان تواتر ذلك السيل من القرارات نهجا غايته صناعة زخم سياسي عالمي يفضي الى الاستيلاء على السودان و موارده. ولا سبيل الى بلوغ هذه الغاية قبل تحطيم المخزونات القيمية للوطنية السودانية الصلبة مدنية أو عسكرية. و منذئذ كانت أولويات أهدافهم مصوبة في اتجاه استئصال المصدات الوطنية الكابحة لرغائب احتلال البلاد، و يقف الجيش السوداني على رأس حوائط الصد الوطنية الراسخة، متعاضدا في ذلك مع طوائف واسعة من القوى الوطنية السودانية التي تستعصي على أدوات التأثير ذات الاستخدام الكثيف لدى الغزاة و مموليهم : الرشوة و المال السياسي .. و الإغراء ببهرج السلطة.. و الابتزاز متعدد الأشكال.
لا تحظى بلاكووتر بدعم كيانات سياسية نافذة في بلاد منشئها فقط ، ولكن أيضا كانت تتمتع بمساندة اللوبيات الناشطة في تشكل السياسة الخارجية الامريكية. فقد كانت تلك الجماعات ترفع حينئذ في مظاهراتها ضد السودان لافتات كتب عليها : Out of Iraq Into Darfur. أي اخرجوا من العراق و ادخلوا دارفور.
يستطرد جيرمي سكاهل في تحليله لدوافع بلاكووتر لغزو السودان فيقول ما نصه :
” انه قد نتج من المقاطعة الأمريكية الاقتصادية للسودان ، استجابة للوبي المعادي للخرطوم في واشنطن، ان توجه السودان شرقا، حتى أصبح للصين حظوة في انتاج النفط السوداني الى أن بلغ المرتبة الخامسة و الثلاثين في سلسلة الدول المنتجة و المصدرة للنفط . علاوة على احتياطي السودان المعتبر من الغاز الطبيعي والمعادن الاستراتيجية.
ثم أن السودان هو البلد الثالث في العالم لمخزون اليورانيوم عالى النقاء، و الرابع في مخزون النحاس “.
و يذهب سكاهل للمزيد من الاستطراد قائلا:
” ان تغيير نظام الحكم في السودان لا يعني فقط القضاء على الحكومة الإسلامية التي نجحت في شق طريقها للتحديث بالرغم من المقاطعه الامريكية، و لكن سيفتح بابا واسعا للشركات الامريكية لأنتزاع تلك الموارد من الصين. و سيكون توظيف القضايا الانسانية، عبر حركة الدبلوماسية الامريكية القسرية Coercive diplomacy، هو المطية السياسية – الظرفية الأنسب لبلوغ تلك الاهداف الاستراتيجية” ( هذا ما اورده جيرمي سكاهل في كتابه Blackwater الصادر عن Nation Book,2008, ص ص 412 و ما بعدها).
في الاعوام 2005 و 2006 كان ايريك برنس Erik Prince المدير العام لبلاكووتر ، كما يقول اسكاهل، يناقش مع الاتحاد الصناعي – الدفاعي الأمريكي National Defence Association سبل الولوج الى دارفور . بل تجاوز في ذلك الأستطلاعات العمومية لمشروع الغزو ، الى الحديث عن اللوازم العملياتية العسكرية، مثل الكيفية المناسبة للتعامل القتالي الميداني مع ما اسماه حينها ” بالجنجويد ” نسخة 2005 !! . و كذلك ذهب الحديث الى التدابير العسكرية المفضية الى تدمير قدرات الدفاع الجوي للجيش السوداني قبلا !!
و في سبيل صناعة المسوغ السياسي لمشروع غزو السودان، ذهبت بلاكووتر تحشد أيضا المساندة الداعمة لرغائبها العدوانية من منظمة ذات تأثير معتبر في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية تسمى ” الحرية المسيحية الدولية Christian Freedom International ” ، و هي التي كان كل من مدير بلاكووتر ايريك برنس و داعمه اللوبيست بول بيهريندس Poul Behrends عضوين في مجلس إدارتها. تلك منظمة لها تاريخ طويل في الصراع السوداني الجنوبي- الشمالي، مستفرغة جهودها عبر سنين طويلة من أجل انفصال جنوب السودان.
ليس ذلك وحسب، فقد تلقت بلاكووتر دعما سياسيا و إعلاميا واسعا لمشروع غزو السودان من مشاهير الكتاب، و منهم ماكس بووت Max Boot الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، المؤسسة ذات الأثر المشهود في بلورة الأهداف الاستراتيجية للسياسية الخارجية الامريكية. وفي هذا يقول بووت، داعما لمشروع غزو السودان، في لوس أنجلوس تايمز Los Angeles Times, ثالث أكبر الصحف الامريكية، تحت عنوان:
” الحل في دارفور: أرسلوا المرتزقة Darfur “Solution: Send In The Mercenaries
ما نصه مترجما :
” ارسلوا جيشا خاصا. هناك عدد من الشركات لها الرغبة في ذلك مثل بلاكووتر . امنحوها الأجر المناسب لارسال قواتهم المؤلفة بدرجة كبيرة من متعاقدي جيوش غربية . نحن ندرك من خلال الخبرات السابقة ان مثل هذه الوحدات الخاصة ستكون أكثر فاعليه من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام.” (سكاهل، ص 40)
هكذا كانت مخططات غزو السودان بندا نشطا يتداوله المتربصون بالسودان ، حتى تكاملت عوامل انفاذه الفعلية – هذه المرة – من داخل عاصمة البلاد بعد عشرين عاما من استمزاج فكرته التأسيسية في أمريكا منذ العام 2005م.
غيرت بلاكووتر – لاحقا – اسمها عقب ادانتها في المحاكم الأمريكية بما اقترفته من مجازر بشرية في بغداد ( مجزرة ميدان النسور) ، ابان تعاقدها مع الجيش الامريكي الغازي حينها للعراق . غيرت الاسم مع الابقاء على جوهر نشاطها الذي تمدد بتعاقدها مع الامارات العربية المتحدة في غزوها لليمن.
من سياق ذلك، لا يبدو مستغربا أن تستنسخ فكرة حشد الالاف من المرتزقة من عشرات الدول لغزو السودان. هذا مشروع كان تداوله جادا بين المتربصين بالسودان منذ ربع قرن، يتوخون فقط المواءمة الظرفية السياسية اللازمة من أجل أنفاذه . وقد نضجت تماما تلك المواءمة الظرفية عقب سقوط حكومة الإنقاذ، وتسلم قحت أدارة البلاد.
لم تنشأ فكرة غزو السودان و احتلاله من حالة أنفعالية تلقائية او لحظية. انها قناعة استراتيجية ترسخت منذ زمن طويل، يتم تداولها بعقل سياسي استخباري ينهمك ، خلف أبواب مغلقة ، لا في دراسة مبدأ الاحتلال، ولكن في أستقصاء الإجابة على وسائل الأنفاذ الست : ماذا ؟ و لماذا ؟ و أين ؟ وكيف ؟ و متى ؟ و من ؟
تنشأ دائما مغريات غزو البلاد كناتج حتمي لوهن يصيب قيادة الدولة و تأكل مؤسساتها ، على نحو يمهد السبل لأختراقات اجنبية ، تقود بالأثر التراكمي ، لأنهيار النظام السياسي الذي تتجلى أبرز مشاهده في تسلط القوى الأجنبية ، واختطافها للدولة ، وتحكمها بالكامل في صناعة التدابير و الشخوص و الوسائل التي تمكنها من تحقيق هدفها الاستراتيجي الذي هو استعمار البلاد.
جيوش المرتزقة اليوم ظاهرة بعثت من التراث الحربي في القرون الأوربية الوسطى. و مع ضخامة اخطارها، فقد أدى اغفالها لدى دوائر الدراسات الاستراتيجية و الهيئات الاستخبارية الوطنية ، الى فجوة ضخمة حجبت استيعاب خطورتها على وجود الدولة بكاملها . فلا يستقر في الأفهام بقاء الدولة مع وجود المرتزقة فيها. هذان كيانان وجود أحدهما يعني زوال الآخر.
في سياق البحث عن تلافيف ظاهرة الارتزاق المتجددة، لم أقف على أشمل مما كتبه البروفيسور الأمريكي سين ماكفيت Sean McFate، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في كلية شئون الامن العالمي ، جامعة الدفاع الوطني بواشنطن، في دراسة معمقة شملت – ضمن ما شملت – اساليب المرتزقة في تعذيب ضحاياهم منذ القرون الاوربية الوسطى ( قبل 500عام ؟ ) ، و حتى ميلاد الارتزاق المعاصر .
ستتملكك الدهشة من تطابق أساليب التعذيب الارتزاقي لدى الدعم السريع اليوم ، مع أساليب اسلافهم من مرتزقة أوربا في عصرها الوسيط . و تأكيدا لدقة النقل عن هذا المعنى، دعني أقتبس النص الأصلي بالأنجليزية في دراسة ماكفيت .
” An army of Mercenaries would encircle a city and demand a huge ransom in exchange for not sacking it. Desperate residents scavenged every last coin and treasure, handing it over to the extortionists. ( thanks said the mercenary captain. We will be back next year). This was common, and the luckless Siena was obliged to by its freedom 37 times “.
وهو ما ترجمته :
” يمكن لكل جيش من المرتزقة حصار اي مدينة ، و يطلب من أهلها فدية مالية ضخمة مقابل عدم نهبها . المواطنون اليانسون( في المدينة المنكوبة) يستفرغون جهدهم ، بحثا عن كل قطعة نقد في كل محفظة نقود يدفعونها لأولئك المرتزقه المبتزون . وبعد ذلك يقول لهم الكابتن قائد المرتزقة: شكرا لكم و سنعود اليكم في العام القادم. تلك كانت ممارسة معتادة. و لقد كانت بلدة سيناي سيئة الحظ مجبرة على شراء حريتها (من المرتزقة ) 37 مرة. ”
كتب البروفيسور ماكيت هذا النص من دراسته القيمة عن الارتزاق (متاحة على الأنترنت) في ديسمبر 2019، أي خمس سنوات قبل حرب المرتزقة الراهنة على السودان.
يروي ما فعله مرتزقة القرون الوسطى بتلك المدينة الأوربية سيئة الحظ. وعلى القارئ السوداني إسقاط مضامين ما قاله الدكتور ماكفيت على أفعال الدعم السريع و مرتزقته ( في القرن الحادي و العشرين) في كل قرية او مدينة حلوا فيها ، ليرى كيف تتطابق جرائم الارتزاق العظمى – حذو الحافر بالحافر- عبر مئات السنين !
[ انظر أن شئت Sean McFate, Mercenaries and War, Understanding Private Armies Today, (National Defense University Press,Dce. 2019)Pp 4,18,29 ]
ان بذرة الأرتزاق قد توارت عن أنظار العالم أزمانا ، لكنها ظلت كامنة، لا تتوافر لها عوامل الانبات الا حين توهن قوى الدولة القطرية الوطنية . ذلك الوهن هو المناخ الامثل لأنعاش أسواقها.
يتبع
إلى الجزء 2
د. إبراهيم البشير الكباشي
1 ديسمبر 2025م
مقتطف باختصار من الفصلين التاسع و الثاني عشر من كتاب المؤلف :
المنطلق
من أجل تأسيس نظام سياسي وطني وطني آمن و راشد و مستقر .
( المصورات ، 2025 )
