الجيلي محجوب يكتب : *حين تتحرك العواصم :* *هل قادتنا عسكريون في معركة تحتاج إلى سياسيين ؟*
الجيلي محجوب يكتب :
*حين تتحرك العواصم :*
*هل قادتنا عسكريون في معركة تحتاج إلى سياسيين ؟*

——————————
ليست السياسة سباقًا في عدد اللقاءات ولا استعراضًا في صور المصافحات بل هي في جوهرها العميق قدرة على تحويل الحركة إلى أثر والزيارة إلى مكسب والبيان إلى موقع على رقعة المصالح ومن هذه الزاوية وحدها يمكن قراءة المشهد الإقليمي الذي أخذ يتشكل حول السودان في الأسابيع الأخيرة ،،
تتحرك دولة الإمارات بخطى محسوبة لا تتعجل الضجيج ولا تكثر من الخطابة لكنها تترك وراءها وقائع تتراكم كما تتراكم طبقات الجيولوجيا مذكرة هنا تفاهم هناك اصطفاف يعاد تشكيله بهدوء ،،
حيّدت الاتحاد الإفريقي من نبرة مساندة للسودان إلى مساحة أبعد من الحياد ووقّعت مع إثيوبيا في لحظة إقليمية شديدة الحساسية بينما تتوالى الأخبار عن معسكرات تدريب قرب الحدود وعن خرائط ترسم على مهل استعدادًا لسيناريوهات لم تعلن بعد ثم جاء اللقاء العلني مع وزير الخارجية المصري حيث جرى تثبيت الرباعية بوصفها الإطار السياسي القادم ،،
وفي الضفة الأخرى يقف السودان الدولة والجيش في صورة تبدو على الأقل في ظاهرها خالية من الأثر المماثل .. زيارات إلى القاهرة ثم إلى الرياض ثم إلى أنقرة .. جولات تحمل في عنوانها الأمل لكن نتائجها لا تتجاوز في أفضل أحوالها عبارات التضامن و التربيت على الكتوف ووعودًا تصاغ بلغة دبلوماسية ناعمة لا تصل إلى مستوى التحول الاستراتيجي كأن الدبلوماسية السودانية تحرّك قدميها بلا أرض صلبة وتتكلم كثيرًا عن الشرعية قليلًا عن أدوات تثبيتها في ميزان الإقليم ،،
المفارقة ليست في قوة طرف وضعف آخر بل في اختلاف المنهج .. فالإمارات تمارس السياسة بخبث لإنتاج الوقائع .. كل اتفاق لبنة وكل لقاء حجر زاوية وكل بيان مسمار يثبت الخريطة في مكانها أما السودان فيبدو وكأنه يمارس السياسة بوصفها استغاثة نبيلة طرق على الأبواب طلب للتفهّم رهان على العاطفة الإقليمية لا على هندسة المصالح ،،
وهنا مكمن الخلل فالمنطقة لا تدار اليوم بمنطق التعاطف بل بمنطق الشبكات و من ينسج شبكة تحالفات واقعية اقتصادية وأمنية وسياسية يحجز لنفسه موقعًا مهما كانت صورته الأخلاقية في الإعلام ومن يكتفي بالاحتجاج على ما يحاك له من غير أن يقيم وزنًا موازنًا يظل حاضرًا في الخطاب غائبًا في النتائج ،،
ليس المطلوب من السودان أن يقلّد أحدًا ولا أن يستعير أدوات لا تشبهه بل أن يعيد تعريف ما يريد ،،
هل يريد مجرد البقاء في المشهد أم يريد إعادة صياغة المشهد نفسه ؟
الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الدبلوماسية بوصفها جولة علاقات عامة والدبلوماسية بوصفها صناعة موقف ،،
الجيش السوداني الذي يخوض معركة وجود داخلية يحتاج في الخارج إلى ما هو أكثر من الإقرار بشرعيته يحتاج إلى إطار مصالح متبادلة و اتفاقات اقتصادية تقايض الدعم السياسي و ترتيبات أمنية تحوّل الجغرافيا إلى ورقة قوة و مبادرات إقليمية تجعله شريكًا لا عبئًا فالعالم لا يصطف طويلًا خلف من يطلب النصرة بل خلف من يعرض الشراكة ،،
إن ما يجري حول السودان ليس مؤامرة غامضة بقدر ما هو لعبة مصالح واضحة المعالم .. لاعبون يتحركون وفق حسابات باردة وآخر يكتفي بتسجيل المواقف وفي السياسة كما في الحرب لا يكفي أن تكون على حق إن لم تكن قادرًا على تثبيت هذا الحق في ميزان القوة ،،
ربما آن للسودان أن يغادر لغة الشكوى إلى لغة المبادرة وأن ينتقل من رد الفعل إلى الفعل ذاته فالدول التي تحاصَر لا تنقذها النوايا الطيبة بل تنقذها القدرة على إعادة ترتيب الطاولة من يجلس أين وبأي أوراق ولأي غاية ،،
في النهاية لا تقاس السيادة بعدد البيانات التي تعلنها بل بعدد الحقائق التي تفرضها ومن لا يصنع حقائقه ستصنع له حقائق غيره ،،
فهل صدقت فينا المقولة (ان الحرب اكبر من ان ندعها للعسكريين وحدهم ) ؟ وهل التأييد والدعم الشعبي الكبير لقادتنا لم يغني عن الظهير السياسي المتمرس ؟ و هل فعلاً قادتنا عسكريون في زمن تحتاج فيه معركتنا إلى سياسيين ؟؟
————————
*الجيلي محجوب*
