همسة وطنية د طارق عشيري *جدية العودة إلى الخرطوم*
همسة وطنية
د طارق عشيري
*جدية العودة إلى الخرطوم*

فرحه سكان الخرطوم( بمحولات الكهرباء) التي كانت الزغروده حاضره فيها مما يعني فرحه طال انتظارها لكن ليست (عودة التيار الكهربائي) هي كل شئ للسكان حيث
لم تعد العودة إليها مجرد( حلمٍ مؤجل )أو( حنينٍ إلى مدينة غابت قسراً)، بل أصبحت (اختباراً حقيقياً لجدّية الدولة والمجتمع معاً). فالخرطوم، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي ورمزي، لا تقبل( العودة العشوائية ولا القرارات المتعجلة)، وإنما تحتاج إلى( جديّة العودة)؛ عودة تُبنى على( الأمن والخدمات والتخطيط)، لا على (العاطفة وحدها). إن الحديث عن الخرطوم اليوم هو حديث عن (استعادة قلب الوطن)، وعن( مسؤولية تاريخية) تفرض أن تكون العودة واعية، منظمة، وقادرة على تحويل الألم إلى بداية التعافي ليست الخرطوم مدينة عادية يمكن أن تعود كما كانت (بقرار فردي أو موجة حنين عاطفي)، بل هي (قلب السودان النابض)، وإذا( تعافى القلب تعافى الجسد كله). اليوم، وبعد ما أصابها من دمار وتشريد وانكسار، تصبح العودة إلى الخرطوم (قضية وطنية كبرى)، لا تحتمل التردد ولا المجاملات، بل تحتاج إلى (جديّة العودة) لا مجرد الرغبة فيها.
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه في هذه المرحلة هو عودة شكلية؛ (عودة بلا خدمات)،( بلا أمن)، (بلا رؤية). (عودة تُحمِّل المواطن أعباء الدولة بدل أن تحميه الدولة). الخرطوم لا تحتاج إلى سكان فقط، بل تحتاج إلى (مؤسسات تعمل)، (وقانون يُطبّق)، و(خدمات أساسية تُستعاد) (ماء، كهرباء، صحة، تعليم، ومواصلات. بدون ذلك، تصبح العودة مغامرة قاسية، لا مشروع حياة.
وجديّة العودة تعني أن تسبقها خطوات واضحة: تأمين الأحياء، إزالة مخلفات الحرب، إعادة تشغيل المستشفيات، وتهيئة المدارس والجامعات. كما تعني وجود خطاب رسمي صادق، يضع المواطن أمام الحقيقة دون تزييف، ويشاركه في المسؤولية دون أن يتخلى عنه. فالناس مستعدة للتضحية، لكنها لا تقبل بالإهمال.
ولا يمكن الحديث عن عودة حقيقية دون الالتفات إلى الإنسان الخرطومي نفسه؛ ذاك الذي أنهكته الحرب نفسياً واقتصادياً. برامج التأهيل النفسي، ودعم سبل العيش، وإعادة دمج الشباب في العمل والإنتاج، كلها عناصر أساسية لإنجاح العودة. فإعمار المدن يبدأ بإعمار النفوس.
الخرطوم اليوم تقف عند مفترق طرق إما (عودة جادة) تُعيد لها مكانتها كعاصمة جامعة لكل السودان، أو عودة مرتجلة تُكرّس الفوضى وتؤجل الانهيار. والمسؤولية هنا مشتركة بين الدولة، والمجتمع، والنخب، والمنظمات، لكن القيادة يجب أن تكون واضحة وحاسمة.
إن جديّة العودة إلى الخرطوم ليست ترفاً سياسياً، بل شرطٌ من شروط بقاء الدولة نفسها. فالخرطوم إن عادت قوية، عاد السودان متماسكاً، وإن تُركت للانتظار، طال وجع الوطن كله وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل
