منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

محمد طلب يكتب :  *النجاشي الصغير*

0

محمد طلب يكتب :

 

*النجاشي الصغير*

لا شكّ عندي عزيزي القارئ الكريم أن أول سؤال يخطر على بالك هو من المقصود بهذا العنوان؟
فالجميع يعرف قصة النجاشي والهجرة الأولى إلى الحبشة و ما وجده المسلمون من حماية ورعاية من ملك الحبشة حسب توجيه النبي الكريم صلي الله عليه وسلم لأصحابه (إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد) و بقية القصة معلومة .. و كيف وجد المضطهدون في أوطانهم و من قبائلهم وأهلهم الإنسانية في أرض جديدة بالنسبة لهم…
المهم… (دا ما موضوعنا)

كتبت كثيراً من المقالات عن أمر الزواج وبدايات بناء الأسرة و بالتالي بناء مجتمعات كاملة.. و ربما يقول البعض إنني تطرفت في نسبي للحرب الدائرة الآن إلى سوء إدراكنا لمفاهيم الزواج في عقليتنا المتحجرة الرافضة للتغيير الإيجابي …
كما أنني أحتسب أن مقصد المشرّع في الزواج هو التألف والتراحم بين الشعوب والقبائل والأجناس لتخرج أمة الإنسانية التي لا توجد بينها الفوارق العريضة كما هي الآن خصوصاً في عقلية المسلمين للأسف رغم قوله تعالى:-
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾

مع الملاحظة أنها وردت في سورة (الروم) التي غُلِبَت في أدنى الأرض .. و هي سورة تتناول (السير في الأرض) لأغراض العلم والمعرفة وتضم آيات عن الموت والحياة و النشأة و العمل الصالح .. و تسبق الآيةَ أعلاه قوله تعالى:-

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
وهي آيات (للعالمين وللمتفكرين) في آيتين متتاليتين .. و الروم أهل كتاب و من غلبهم آنذاك هم الفرس عبدة الأوثان ..
و السورة تحتاج إلى التأمل والتدبر كما ورد بها …

نعود لأمر (النجاشي الصغير)
وهو طفل في عمر عامين وُلد لأب سوداني و أم إثيوبية .. ما لفت إنتباهي بشكل كبير هو إنسانية هذا الطفل و شعوره المبكر بدعم الآخرين عند الحاجة .. أسأل الله أن يحفظه و أن يجد العناية من البيئة المحيطة به فهو مولود على الفطرة ..
موقف هذا الطفل أثر فيّ كثيراً وظللت أفكر في فعله طويلًا و ما زلت …
فمن هو (النجاشي الصغير) و ما هي قصته معي؟
أنا رجل خمسيني مصاب بجلطات دماغية أثرت في حركتي و كلامي .. أول مرة رآني فيها هذا الطفل، يبدو أنه لمح شيئاً مختلفاً أثناء أدائي للصلاة، و لاحظ صعوبة حركتي، وعند القيام من وضع الجلوس بشق الأنفس، وجدت هذا الطفل يضع يده تحت إبطي محاولاً مساعدتي على القيام …
موقف جعلني أخرج من صلاة إلى صلواتٍ أخرى، وتأملاتٍ عظيمة…

ولعل أكثر ما يوجع في هذا الموقف .. أن طفلاً في عامه الثاني التفت لمعاناة إنسان غريب عنه، في حين عجز الكبار بعقولهم المكتملة وأيديهم الممتلئة بالسلاح، عن الالتفات لمعاناة بعضهم البعض .. و لو أننا و قادتنا امتلكنا شيئاً من هذا الحس الإنساني الباكر، ولو توقفنا قليلاً عند ألم الآخر قبل تصنيفه أو إقصائه، لما قامت هذه الحرب أصلاً ، و لما سال كل هذا الدم باسم أوهام القوة والانتصار و هتاف تفاهة التهافت(بل بس)…

أسأل الله أن يحفظ هذا الطفل فهو بإذن الله متى ما تهيأت له الظروف التي تناسب ما وهبه الله .. سيكون له شأنٌ آخر .. ما شاء الله و صلاة النبي و(عيني باردي) يا محمد أو (بنون) كما يحلو لمجتمعه وأهله..
والتحية للسيدة صوفيا و السيد (مبارك) و أسألكم الدعاء لهم بالخير والبركة، وأن يحفظهم الله وطفلهم الجميل الإنسان الذي ساعدني على النهوض والقيام بدفعة معنوية لا بقوةٍ عضلية…
وحقّ لي أن أسميه (النجاشي الصغير)
ونسأل الله أن يحفظ بلادنا، وأن تنهض من مهالك هذه الحرب اللعينة..

سلام
محمد طلب
mtalab437@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.