*قيام برلمان بالتعيين ، إنتزاع لصوت الشعب* *د. إسماعيل الحكيم*
*قيام برلمان بالتعيين ، إنتزاع لصوت الشعب*
*د. إسماعيل الحكيم*


Elhakeem.1973@gmail.com
إنّ اللحظة التي تتكئ فيها الأوطان على جراحها، وتغسل أرضها بدموع أبنائها قبل دمائهم، لا يبقى من الدولة إلا شعبها.
وحين تتداعى المؤسسات، وتتساقط الشعارات، وتتكسّر الهياكل، يبقى الإنسان السوداني وحده — صابرًا، رابط الجأش، يحمل الوطن في صدره كما يحمل الجندي بندقيته.
لقد جاءت هذه الحرب قاسية، عاتية، لم تُبقِ للسودان متكأً إلا على هذا الشعب. فكيف — بعد كل هذا — يُنتزع من هذا الشعب صوته؟
كيف يُحرَم من حقه الطبيعي في أن يتحدث عن نفسه، وأن يختار من يمثله، وأن يفرز من بين صفوفه من يعبّر عن آلامه وآماله، عن نزيفه ونهوضه؟
إن الحديث عن قيام برلمان بالتعيين في هذا التوقيت ليس مسألة إجرائية والسلام ، ولا خطوة تنظيمية يمكن تمريرها في ضجيج الأحداث؛ إنما هو قرار يمسّ جوهر الفكرة الوطنية ذاتها.
فالبرلمان — في أصله — ليس مقاعد تُملأ، ولا أسماء تُدرج، ولا حصصًا تُوزّع، وإنما هو الإرادة الشعبية حين تتحوّل إلى مؤسسة، والصوت الجمعي حين يتجسّد في تشريع ورقابة ومساءلة.
أما أن يُبنى البرلمان المرتقب على تعيين أشخاص بعينهم، أو على كيانات حزبية بعينها، فإننا لا نكون أمام برلمان، بل أمام نسخة مكررة من تجارب أثقلت كاهل الدولة، وأرهقت المواطن، وأعادت إنتاج الفشل في أثواب جديدة.
سيكون عبئًا حكوميًا إضافيًا على شعب أنهكته الحرب، بدل أن يكون سندًا له.
وسيكون صورة مستعادة لمشهد لم يجلب للوطن إلا التنازع، ولا للمؤسسات إلا الوهن.
لا الوقت يسمح.
ولا حال البلاد يحتمل.
ولا ذاكرة الشعب تحتمل إعادة تدوير الخيبات.
إن السودان اليوم في مرحلة بقاء لا في مرحلة توزيع مناصب.
في لحظة توحّد لا لحظة اصطفاف حزبي. في زمن يحتاج إلى لملمة الصفوف، لا إلى بعثرة الثقة.
إن قيام برلمان بالتعيين في مثل هذا الظرف ليس خطوة نحو الاستقرار، بل قد يكون — من حيث لا يُراد أو من حيث يُراد — خدمة مجانية لأعداء الوطن، الذين ما فتئوا يسعون إلى تفتيت الجبهة الداخلية، وزرع الشك بين مكوّنات الشعب، وصناعة انقسام جديد يُضاف إلى شقوق الحرب. فما أقسى أن نفقد وحدتنا بأيدينا، ونحن أحوج ما نكون إليها.
إن الشعب الذي ناضل، وقاتل، وصبر وصابر، وقدّم فلذات أكباده دفاعًا عن السودان، لا يستحق أن يُكافأ بتهميش صوته. ولا يجوز أن يُستبدل حقه في الاختيار بقرار فوقيّ يختار عنه، ويتحدث باسمه دون تفويض منه.
البرلمان الحقيقي لا يُولد من رحم التعيين، بل من رحم الإرادة الحرة.
ولا يكتسب شرعيته من قرار إداري، ولكن من صندوق اقتراع يأتي بممثلين حقيقيين، خرجوا من الناس وإليهم يعودون، يعرفون وجع القرى كما يعرفون أنين المدن، ويحملون تفويضًا لا شبهة فيه.
أما قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن تُمهّد الأرض لعملية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس متينة، فإن الحكمة تقتضي التريّث، والاتزان، وتقديم الأولويات الوطنية على الحسابات الضيقة.
فالوحدة اليوم فريضة وطنية، لا خيارًا سياسيًا. واتحاد الكلمة ضرورة وجود، لا مزاجاً خطابيًا.
فليس من الحكمة أن نهدم ما تبقّى من جسور الثقة. وليس من الرشد أن نستعجل مؤسسة يفترض أن تكون عنوان التعافي، فإذا بها تصبح عنوان انقسام جديد.
فليكن البرلمان القادم ثمرة سلامٍ مكتمل، وإرادة شعبية خالصة، وتجربة سياسية ناضجة تستفيد من دروس الألم.
أما أن يولد الآن، بالتعيين، في زمن النار والدخان، فذلك — في ميزان الحكمة والتاريخ — مخاطرة بوحدة الصف، ومقامرة بصوت الشعب، الذي لم يبقَ للسودان غيره.
