*كيف صهرت (باريس، واشنطن، وأمستردام) زعامة الترابي؟* *بقلم : عثمان شيخ الدين عكرة*
*كيف صهرت (باريس، واشنطن، وأمستردام) زعامة الترابي؟*
*بقلم : عثمان شيخ الدين عكرة*

بينما كان أقرانه في الحركة الإسلامية السودانية يغرقون في أدبيات “سيد قطب” أو يكتفون بالدروس الوعظية التقليدية، كان حسن الترابي يخوض تجربة “تكوين جيني” سياسي وفكري فريد من نوعه. هذا المسار هو ما يفسر لماذا برز الترابي كقائد “حديث” في بيئة “تقليدية”.
1. باريس (السوربون): مختبر الفلسفة والقانون
في فرنسا، لم يحصل الترابي على الدكتوراه فحسب، بل امتلك “مشرط الجراح”. تعلم كيف يفكك الدولة الحديثة، وكيف يطوع “الديمقراطية” و”الشورى” في قالب واحد.
التفوق المعرفي:
عاد الترابي بلغة فرنسية وثقافة لاتينية جعلت الخصوم اليساريين والليبراليين في الخرطوم يشعرون بالندية المعرفية أمامه، مما منحه “كاريزما المثقف” التي تسبق “كاريزما الشيخ”.
2. واشنطن (الزيارة المغلفة): مدرسة “التكنولوجيا السياسية”
هنا تكمن الحلقة المفقودة. رحلته الأمريكية في 1963، التي طاف فيها الولايات دون النزول في الفنادق، كانت دورة تدريبية عملية في “الدبلوماسية العامة”.
هنالك رأى الترابي كيف تدار المؤسسات، وكيف تبنى جماعات الضغط (Lobbying)، وكيف يمكن للحركة أن تتغلغل في مفاصل المجتمع دون تصادم مبكر. هذه البراغماتية الأمريكية هي التي جعلته لاحقاً يبتكر أسلوب “التوالي السياسي” والانفتاح ” التنظيمي.
هولندا (أمستردام): لحظة “الرادار” السياسي
لقاؤه مع أحمد عبد الرحمن في هولندا لم يكن لقاءً اجتماعياً؛ كان “غرفة عمليات”. هناك تنبأ بسقوط العسكر (نظام عبود) قبل وقوعه بشهور.
التميز عن الأقران: كان أقرانه ينتظرون “القدر”، بينما كان الترابي يقرأ “الواقع” عبر أدوات التحليل الغربي التي اكتسبها. عاد وهو يدرك أن السودان مقبل على فراغ سلطة، وقرر أن يكون هو من يملأ هذا الفراغ.
لماذا تفوق الترابي على جيله؟ (خلاصة الانفجار المعرفي)
السر في “تفوق” الترابي على أقرانه (أمثال الصادق عبد الله عبد الماجد أو الرشيد الطاهر) يكمن في ثلاثة عناصر:
ثنائية (الشيخ والدكتور):
كان قادراً على مخاطبة رجل الشارع في المسجد بلغة الدين، ومخاطبة أستاذ الجامعة بلغة القانون الدستوري.
التكنولوجيا التنظيمية:
نقل تجربة “المؤسسات الأمريكية” وبرامجها للعمل التطوعي والاجتماعي إلى داخل الحركة الإسلامية، فحولها من “مجموعة دعوية” إلى “ماكينة سياسية” ضخمة.
تجاوز “عقدة الغرب”:
بينما كان غيره يخشى الغرب، كان الترابي قد “هضمه” من الداخل (في فرنسا وأمريكا)، مما جعله يتلاعب بالأدوات الغربية لخدمة أهداف إسلامية.
العليفون 1963 (إعلان السيادة)
عندما وقف الترابي في مؤتمر العليفون، لم يكن يقدم “رأياً”، بل كان يقدم “بديلاً”. تلك المداخلة القانونية التي أدهشت الجميع كانت بمثابة صرخة ميلاد “الترابي الزعيم”. لقد أدرك الحاضرون أنهم أمام شخص رأى العالم، وعاد ليصنع عالمه الخاص في السودان.
#عثمان_عكرة
