منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*ريم أبوسنينة تكتب✍️……(ضد الكسر)* *الزاهر و شهداء القصر الجمهوري… حين دفع الإعلام ثمن الحقيقة*

0

*ريم أبوسنينة تكتب✍️……(ضد الكسر)*

 

*الزاهر و شهداء القصر الجمهوري… حين دفع الإعلام ثمن الحقيقة*

ريم أبوسنينة

 

يعود يوم الحادي والعشرين من رمضان محمّلًا بالوجع والفخر معًا، مستدعيًا ذكرى شهداء الإعلام الذين ارتقوا وهم يؤدون رسالتهم المهنية والوطنية داخل القصر الجمهوري، حيث امتزج صوت الكاميرا بنداء الواجب، وسقط رجال حملوا الحقيقة أمانة لا وظيفة.
لم يكن أولئك الشهداء مجرد أسماء في سجلات الأخبار، بل كانوا وجوهًا نابضة بالحياة، وأحلامًا تسير على قدمين، ورسالة آمنوا بها حتى اللحظة الأخيرة. وفي مقدمة هؤلاء الشهيد المخرج فاروق الزاهر، الرجل الذي لم يكن مجرد مخرج خلف الكاميرا، بل إنسانًا استثنائيًا ترك أثرًا عميقًا في كل من عرفه.
الشهيد فاروق الزاهر رجلًا عاش للمهنة لا منها. كان يرى في الإعلام مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون عملًا يوميًا، ويؤمن بأن الصورة الصادقة قادرة على حفظ ذاكرة الوطن وصناعة الوعي.
لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كان يصنعها للآخرين. خلف عدسة الكاميرا، كان حاضر الذهن، دقيق التفاصيل، شديد الحرص على أن تصل الحقيقة كاملة دون تزييف أو مبالغة. كان يؤمن أن المخرج الحقيقي هو من يمنح المشاهد رؤية صادقة لا مجرد مشهد جميل.
لم تكن شهادة زملائه على موهبته المهنية فقط، بل على إنسانيته الرفيعة. كان قريبًا من الجميع، كبيرًا بتواضعه، حاضرًا بابتسامته الهادئة التي تخفف ضغط العمل الطويل.
الزاهر عرفه زملاؤه أخًا قبل أن يكون رئيس فريق، يسمع للجميع، ويشجع الشباب، ويمنح الفرص بثقة نادرة. لم يكن النجاح عنده فرديًا، بل جماعيًا، وكان يؤمن أن أي إنجاز حقيقي هو ثمرة روح الفريق.
كان محبوبًا بلا تصنّع، لأن طيبته كانت صادقة، ومواقفه الإنسانية سبقت كلماته دائمًا. لم يتأخر يومًا عن مساعدة زميل أو دعم مبتدئ أو الوقوف بجانب من يمر بظرف صعب.
في ذلك اليوم الرمضاني الذي يصادف يوم الجمعة اول ايام العشر الأواخر من رمضان لم يكن الشهيد فاروق الزاهر ورفاقه يبحثون عن بطولة، بل كانوا يؤدون عملهم الطبيعي؛ نقل الحدث كما هو، وتوثيق لحظة من تاريخ الوطن. لكن القدر اختار أن تتحول الكاميرا إلى شاهد على تضحية أصحابها.
رحلوا وهم على رأس عملهم، تاركين خلفهم رسالة واضحة: أن الإعلام الحقيقي قد يدفع أصحابه ثمنًا غاليًا، لكنه يبقى ضمير المجتمع وذاكرته الحية.
إن شهداء القصر الجمهوري لم يسقطوا كأفراد فقط، بل كرمز لجيل آمن بأن الكلمة الحرة والصورة الصادقة مسؤولية وطنية. ستبقى أسماؤهم حاضرة في وجدان زملائهم وفي ذاكرة الإعلام السوداني والعربي.
أما الشهيد فاروق الزاهر، فسيظل نموذجًا للمخرج الإنسان؛ صاحب الرسالة، النبيل في أخلاقه، المتفاني في عمله، الذي أحب مهنته فأحبّه الجميع.
رحل الجسد، لكن الأثر باقٍ في كل لقطة أخرجها، وكل زميل تعلم منه، وكل ذكرى تروي أن خلف الكاميرا كان يقف رجل يشبه الوطن في صدقه وعطائه.

رحم الله شهداء الإعلام، وجعل ذكراهم نورًا يذكّرنا دائمًا بأن الحقيقة قد تُكلّف الكثير، لكنها تستحق.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.