منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

التهميش في السودان.. هل هي مظلومية دارفور وحدها؟ د. حيدر البدري 

0

التهميش في السودان.. هل هي مظلومية دارفور وحدها؟

 

د. حيدر البدري


لطالما شكلت قضية “التهميش” و”التنمية غير المتوازنة” جوهر الخطاب السياسي للسودان الحديث، وذريعة أساسية رفعتها الحركات المسلحة في أقاليم البلاد المختلفة. غير أن الناظر بعين فاحصة إلى خريطة السودان الجغرافية والبشرية قد يجد أن هذه المعاناة ليست حكراً على إقليم دون آخر، بل هي سمة عامة في دولة مترامية الأطراف عجزت مركزية الحكم فيها عن توفير الخدمات الأساسية والبنى التحتية لعموم مواطنيها.
يتركز الجدل الدائر عادة ومنذ سنوات حول إقليم دارفور باعتباره “أيقونة” التهميش، وهو طرح صحيح من حيث المبدأ لكنه يغفل واقعاً أكثر تعقيداً. ففي الشمالية وقرى نهر النيل، لا تعكس الصورة النمطية عن “العمارات الفارهة” واقع السكان هناك. ففي هذه المناطق، يعاني السكان من فقر مزمن يظهر في تدهور الخدمات الصحية والتعليمية وغياب مشاريع التنمية المستدامة، حيث يعتمد الأهالي على زراعة محدودة الموارد أو على تحويلات المغتربين بالخارج. وبدورهم، يجد زائر مناطق شرق كسلا وهمشكوريب مشهداً إنسانياً قاسياً تتفشى فيه أمراض سوء التغذية والكوليرا مع غياب شبه تام للطرق والمياه النظيفة .
تشير البيانات الدولية إلى أن الفقر في السودان ظاهرة ريفية في المقام الأول؛ إذ كان 57.6% من سكان الريف يعيشون تحت خط الفقر حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، مقارنة بنسب أقل نسبياً في المدن الكبرى . هذا يعني أن المعاناة في القرى المحاذية لنهر النيل أو في سهول البطانة شرقاً لا تقل وجعاً عما يحدث في غرب السودان، وإن اختلفت أشكال التعبير السياسي عنها.
جوهر الأزمة السودانية لا يكمن في “تآمر” المركز على هامش محدد، بل في طبيعة الدولة الريعية التي قامت منذ الاستقلال على اقتصاد غير منتج. لقد ظلت الحكومات المتعاقبة تنظر إلى الأطراف كمخزون للموارد الأولية (النفط، الذهب، الثروة الحيوانية) دون أن تعيد استثمار عوائدها في تهيئة هذه المناطق. وبدلاً من وضع سياسة تنموية تراعي المساحات الشاسعة والتباين المناخي، انتهجت الدولة سياسات أدت إلى تفقير القاعدة الإنتاجية الزراعية والرعوية في كل الأقاليم، سواء في دارفور أو كردفان أو النيل الأزرق أو الشمالية او شرق السودان.
ويكشف تحليل اقتصادي أُجري مؤخراً عن أن دخل الأسرة السودانية في أطراف البلاد يعتمد بشكل خطير على العمل الموسمي وغير الرسمي، وهو نمط يتكرر في شرق السودان وغربه وشماله وجنوبه على حد سواء . وهنا يجب التوقف عند ملاحظة جوهرية أشار إليها بعض المراقبين: وهي أن طبيعة السكن وأسلوب الحياة تختلف باختلاف البيئة المحلية. فوجود مساكن “القطية” من القش في الشرق أو أكواخ في دارفور ليس بالضرورة دليلاً على “التهميش” بقدر ما هو انعكاس لتكيف تاريخي مع المناخ ومواد البناء المتاحة، وهذا لا ينفي حق السكان في الطرق والمدارس والمستشفيات.
إن حمل السلاح تحت يافطة “التهميش” في دارفور تحديداً يبقى قضية شائكة. صحيح أن الحركات المسلحة هناك انطلقت من واقع مرير من الإهمال والاقتتال القبلي على الموارد الشحيحة، لكن السؤال الذي يطرح هنا : لماذا لم تحمل قبائل الشايقية والمحس في الشمال أو قبائل البني عامر والهدندوة في الشرق السلاح رغم معاناتهم من ذات “الفقر” و”غياب التنمية”؟
الإجابة قد تكمن في أن أزمة دارفور كانت وما تزال أزمة “إدارة تنوع” بقدر ما هي أزمة تنمية. فالتداخل بين الرعاة والمزارعين، والصراع على “الحواكير” (الأراضي) في ظل غياب القانون، خلق بيئة خصبة لتجييش القبيلة وتسليحها، وهو ما لم يحدث بنفس الحدة في أقاليم أخرى ذات نسيج اجتماعي أكثر تجانساً .
في المحصلة، يخطئ من يظن أن رفع سقف المطالب في دارفور يلغي حق أبناء حلفا أو كسلا أو القضارف في الشكوى. السودان بأكمله يعيش حالة من “التهميش الجماعي” بفعل فشل الدولة في إدارة مواردها. لكن في الوقت نفسه، تبقى المقارنة بين من حمل السلاح ومن صبر على البلوى غير عادلة، لأنها تتجاهل التعقيدات الإثنية والتاريخية التي جعلت من دارفور برميل بارود قابل للانفجار أكثر من غيره.
إن مشكلة السودان ليست في أن التنمية “غير متوازنة” بين الأقاليم فحسب، بل إنها “غير كافية” في كل مكان، مما يفرض على أي مشروع وطني قادم إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس المواطنة المتساوية وليس على أساس الصوت العالي أو فوهة البندقية.
نقطة سطر جديد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.