*الزواج السوداني في المهجر: من إرث “تغطية القدَح” إلى سَعة الماعون* (2-2)* *خالد محمد أحمد*
*الزواج السوداني في المهجر: من إرث “تغطية القدَح” إلى سَعة الماعون* (2-2)*
*خالد محمد أحمد*

ومن بين الخيارات المطروحة يبرز أيضًا الزواج داخل دائرة أبناء المهاجرين؛ غير أن هذا الطرح لم يُثبت فاعليته حتى الآن، إذْ نشأ هؤلاء الأبناء في بيئةٍ تميَّزت بالانفتاح على الاندماج في مجتمعاتٍ شديدة التنوُّع، وهو ما يجعل صلتهم بالمجتمع الأصلي لا تتجاوز في الغالب المناسبات العامة والزيارات العائلية المتقطِّعة بحُكم إيقاع الحياة المتسارع وتزايد ضغوطها.
أمَّا المهاجرون الجُدد ممَّن تشكَّلت رؤيتهم للزواج في سياقاتٍ تقليدية وهاجروا في أعمارٍ متأخِّرة، فإلى جانب الفجوة في التجربة وأنماط التفكير، يميل كثيرٌ منهم إلى التمسُّك بالنهج التقليدي القائم على استقدام زوجاتٍ من السودان. وقد يبلغ الإحساس بالغربة النفسية لدى بعضهم تجاه بنات المهاجرين حدًّا يقارب شعورهم تجاه الأجنبيات. أمَّا المنفتحون منهم على الثقافات الأخرى، فيتَّجهون بنسبٍ متزايدة إلى الزواج من أجنبياتٍ، وخاصةً الأوروبيات. من جانبٍ آخر، تصطدم المهاجرات السودانيات، وخاصةً القادمات في موجة الهجرة الأخيرة، بعزوفٍ ملحوظ لدى بعض السودانيين في المهجر عن الارتباط بهن، أو شُحًّا في فرص الارتباط، الأمر الذي يدفع بعضهن إمَّا اضطرارًا أو مراجعةً للتوقُّعات إلى توسيع دائرة الاختيار خارج الإطار السوداني.
خيارٌ آخر تفكِّر فيه بعض الأُسَر المهاجرة يتمثَّل في استقدام عريسٍ أو عروس من السودان، وخاصةً من دائرة الأهل والمعارف. غير أن هذا الخيار لا يخلو من التعقيد؛ فإلى جانب التعقيدات الاجتماعية والإجراءات الإدارية المرتبطة بالهجرة، التي قد تجعل من الزواج مشروعًا إداريًّا مرهقًا، تبرز التحدِّيات المذكورة آنفًا فيما يتعلَّق باستقلالية قرار الأبناء ونظرتهم لمشروع الزواج، إضافةً إلى تباين التجارب الحياتية وضعف التناغم الفكري والنفسي حتى في حال توفُّر فرصة التواصل.
وحتى عندما تقبَل بعض الأُسَر فكرة الزواج من غير السودانيين، فإن هذا القبول يكون في الغالب مشروطًا؛ إذْ تميل إلى تفضيل جنسياتٍ تراها أقرب ثقافيًا، من العرب أو بعض الأفارقة، في محاولةٍ غير معلنةٍ لتقليص مساحة الاختلاف. غير أن هذه الدائرة لا تلبث أن تتَّسع تحت ضغط محدوديَّة الخيارات المتاحة لتشمل في نهاية المطاف مسلمين من شتَّى بقاع العالم؛ وكأنَّ المسألة لا تتعلَّق برفض الانفتاح، بل بمحاولة ضبط حدوده.
على أنه لا ينبغي النظر إلى هذه المسألة على أنها مشكلةٌ بالمعنى السلبي، فهذه التحوُّلات نتيجةً طبيعية من نتائج الهجرة؛ فكما شهدت أنماط الزواج داخل السودان تحوُّلًا عبر الزمن من انغلاقٍ قبَلي صارم إلى أشكالٍ أكثر مرونةً في العلاقات الاجتماعية، فإن مجتمعات المهجر بدورها تسير في مسارٍ مشابه، وإنْ كان أشدّ تعقيدًا وتشابكًا.
إذن، ما يحتاجه السودانيون في المهجر اليوم هو مقاربة أكثر واقعيةً تبدأ بإعادة النظر في مفهوم “التكافؤ” في الزواج لينسجم مع واقعٍ اجتماعي فرض الانتقال من ضيق العادة إلى سَعة الاختيار؛ فالتشبُّث بصورٍ موروثة لم يَعُد يسندها الواقع، وبطء تحديث تصوُّرات أولياء الأمور عن المجتمع والهُويَّة والزواج لا يفضيان إلا إلى تعميق الفجوة بين الآباء والأبناء، وتحويل الزواج من مساحة التقاءٍ إلى نقطة احتكاكٍ.
ولذلك، لا يبدو أمام أولياء الأمور سوى السعي إلى تهيئة فرص تواصلٍ واقعية مع السودان قدر الإمكان، وترك مساحةٍ طبيعية لتشكُّل الخيارات بعيدًا عن الضغوط. أمَّا محاولة فرض تصوُّراتٍ بعينها، أو تعطيل اختيارات الأبناء، فقد أثبتت التجربة في كثيرٍ من الحالات محدوديَّة جدواها، إْذ تمضي القرارات في نهاية المطاف وفقًا لما يراه الأبناء لمسارهم، لا لمنطق التوجيه وحده. ومن الحكمة حينها أن يُدار هذا التحوُّل بروحٍ من التفهُّم والمساندة بدلًا من أن يُترَك ليأخذ مساراتٍ قد تؤدِّي إلى جفوةٍ أو قطيعةٍ بين الآباء والأبناء.
21 أبريل 2026
