منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي
آخر الأخبار

*الترويكا و تقدم – قراءة في أبعاد الدعم الخارجي و إرتهان الأجندة* *الشاذلي حامد المادح*

0

*الترويكا و تقدم – قراءة في أبعاد الدعم الخارجي و إرتهان الأجندة*

 

*الشاذلي حامد المادح*

 

تعد مجموعة الترويكا (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة و النرويج) اللاعب الغربي الأكثر تأثيراً في الخارطة السياسية السودانية . فمنذ دورها كضامن لإتفاقية السلام الشامل عام 2005م تحولت المجموعة عقب التغيير في ديسمبر 2019م إلى [ظهير دولي) مباشر لحكومة عبدالله حمدوك ، منتقلًا من دور المراقب إلى (الشريك الموجه) عبر ثلاثة مسارات استراتيجية :

أولاً : الهندسة الإجتماعية و القانونية (2019 – 2021)
عملت الترويكا على مراجعة دورية لبرامج محددة إستهدفت البنية التشغيلية للمجتمع السوداني و تركزت في :

الإصلاح القانوني : الضغط لإلغاء قانون النظام العام و تعديل مواد الردة في القانون الجنائي .

الحريات الفردية و الجندر : الدفع بإتجاه التوقيع على إتفاقيات دولية مثيرة للجدل مثل (سيداو) .

تغيير المناهج : دعم تحويل المناهج الدراسية نحو قيم علمانية و مدنية و هي الخطوة التي إصطدمت بالوجدان الشعبي (أزمة القراي) .

ثانياً : التمكين السياسي و الغطاء الإقتصادي
شكلت الترويكا “المفتاح” الفني و السياسي لولوج السودان إلى المؤسسات المالية الدولية و نادي باريس و إن لم يتغير شيء . كانت اجتماعات سفراء المجموعة مع مكتب رئيس الوزراء تتم بشكل شبه أسبوعي لمتابعة “مصفوفة الإصلاحات”، حيث جرى ربط التقدم الاقتصادي بمدى الالتزام بتغيير القوانين و المناهج .

ثالثاً : ما بعد أبريل 2023م – التمويل و الشرعية المدنية ..
بعد إندلاع حرب 15 أبريل ، حافظت الترويكا على دورها كمرجعية و ممول رئيسي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) عبر أذرع مثل (USAID) و المنظمات الوسيطة (NED, NDI). و يتم هذا التمويل عبر مسارين :

التمويل الناعم : ميزانيات ضخمة لورش العمل و المؤتمرات الخارجية في عدد من العواصم الاففريقية و الأوروبية تحت غطاء “بناء القدرات” .

الضغط الدبلوماسي و العقوبات : ربط المساعدات الدولية بـ “الشرعية المدنية”، و إستخدام سلاح العقوبات الموجهة ضد القادة العسكريين للضغط نحو عملية سياسية تضمن مقعداً مركزياً لـ (تقدم).

*خريطة المصالح داخل الترويكا*
لا تتحرك دول الترويكا ككتلة واحدة فبينما تسعى واشنطن لتحجيم النفوذ الروسي و الصيني في البحر الأحمر ، تعمل لندن كمهندس قانوني للإتفاقيات السياسية مع التركيز على ملف الهجرة ، فيما تتولى النرويج ملفات الوساطة و الجندر و قبل كذلك الحريات الدينية و كلما يتصل بالأجندة الكنسية . أما بقية دول الترويكا مثل فرنسا و ألمانيا و بقية دول الإتحاد الأوروبي فهي الأخرى لها أجندتها و مصالحها الخاصة بها .

*تقديرات التمويل (2025 – 2026)*

الولايات المتحدة : خصصت حوالي 1.2 مليار دولار للسودان ، يذهب منها (150-200) مليون دولار سنوياً لدعم “تقدم” و تنفق في أنشطة الإعلام البديل و غرف الطوارئ و ما يتصل بلجان المقاومة و ذلك لتعزيز شرعيتها وسط القواعد .

المملكة المتحدة : رصدت 110 مليون جنية إسترليني لصياغة الدساتير و تدريب القيادات الشبابية و النسوية .

النرويج و الإتحاد الأوروبي : يساهمان بحوالي 160 مليون دولار عبر “صناديق الإستقرار” المخصصة للوساطة و حقوق الإنسان و الحريات بمختلف أشكالها .

ملاحظة محورية : تُصرف معظم هذه الأموال في دول الجوار (كينيا، إثيوبيا، أوغندا) لتغطية أنشطة الكوادر في المنفى و هي مشروطة بتبني قيم المانح (العلمانية، المحاسبة الدولية و الحريات الشخصية).

*مآلات الارتهان .. و السيادة المنقوصة*

يخلق إعتماد القوى المدنية على المنح الخارجية (بنسبة تفوق 85%) ما يُعرف بـ (السيادة المنقوصة) ، مما أدى إلى نتائج عكسية :

تآكل الحاضنة الوطنية : إنفصلت هذه القوى عن الواقع الداخلي ، فبدلاً من خطاب يخاطب قضايا الداخل صممت أوراقاً سياسية تخاطب معايير المانح (التحول الأخضر ، الجندر) مما صورها كـ (نخب مغتربة) .

إستراتيجية العصا و الجزرة : يُفرض على المدنيين اتخاذ مواقف متشددة ضد الجيش لضمان التمويل ، في حين يتسم خطابها تجاه “الدعم السريع” بـ “المياعة” و المساواة بين الطرفين في الإنتهاكات ، تماشياً مع رؤية المانح الذي يرى المليشيا طرفاً سياسياً لا بد منه .

بيروقراطية المنح : قتل المبادرة السياسية لصالح “مؤشرات الأداء” و الإرتهان للمستشارين الأجانب ، مما جعل الإتفاقيات سودانية الوجه غربية العقل و المنطق و المصلحة .

*السيناريوهات المستقبلية .. ماذا لو توقف التمويل؟*
يمثل إنقطاع الدعم الغربي تحدياً وجودياً لهذه النخب (العابرة للحدود) – و قد لاحظتم برمجتهم في أنشطة كثيفة في أوربا و في أفريقيا لخدمة المشروع المفصل لخدمة أجندة الممول – إن وقف التمويل يضع هذه القوى أمام ثلاثة سيناريوهات :

السيناريو الأول (التفكك) : و هو الأرجح ، حيث يؤدي العجز التشغيلي إلى انسحاب الكفاءات و إنفراط عقد تحالف “تقدم” لغياب “لاصق” التمويل .

السيناريو الثاني (الراديكالية الوطنية) : محاولة العودة للداخل بخطاب ثوري لإستعادة الشارع ، و هو خيار يصطدم بحالة الرفض الشعبي العام مما يجعل المهمة شبه مستحيلة .

السيناريو الثالث (الكفيل الإقليمي) : البحث عن تمويل خليجي أو أفريقي ، مما يعني إستبدال أجندة الترويكا بأجندة الكفيل الجديد (مثل قبول دور أكبر للعسكريين) .

الخلاصة .. إن وزن القوى المدنية السودانية حالياً هو “وزن مُعار” و مستمد من الإعتراف الدولي لا القوة الذاتية على الأرض . لقد تحولت العلاقة من دعم للتحول الديمقراطي إلى إعتمادية كاملة ، دفع ثمنها المدنيون من استقلال قرارهم الوطني و عزلتهم الشعبية .

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.