منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

*نقطة سطر جديد* *د. حيدر البدري يكتب :* ..  *دولة رئيس الوزراء.. والحال المائل* .. 

0

*نقطة سطر جديد*

 

*د. حيدر البدري يكتب :*

..

*دولة رئيس الوزراء.. والحال المائل*

..

 

صراحة مايفعله رئيس الوزراء يصلح لأن يكون مادة خصبة للتهكم السياسي، فقد غادر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى دولة الفاتيكان، تلك البقعة الجغرافية التي لا تتجاوز مساحتها حياً سكنياً صغيراً في إحدى مدن السودان المنسية، في زيارة وُصفت بـ”الرسمية”، التقى خلالها البابا ليو الرابع عشر، وسط وفد حكومي رفيع ضم وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر ووكيل الخارجية ونائب مدير المخابرات ومستشارين، وكأننا أمام قمة دولية تعقد في دولة عظمى تتحكم في مفاتيح الاقتصاد العالمي.

فماذا لو سأل سائل: لماذا ذهب رئيس الوزراء و”زمرته” إلى هناك؟ هل ذهبوا ليصلوا صلاة “المكاء والتصدية” في كاتدرائية القديس بطرس؟ أم أنهم ذهبوا ليخبروا البابا أن الشمس تشرق من الشرق؟ الحقيقة أن الأهداف المعلنة للزيارة، وفق ما صرح به إدريس، هي “حوار بناء حول السلام والتعاون الإنساني وتعزيز التفاهم بين الأديان”، وهي شعارات براقة تصلح لأي خطاب دبلوماسي، لكنها تصطدم بواقع السودان المرير الذي يغرق في الحروب والمجاعات، حيث الجسور تنهار، والكهرباء غائبة، والأوبئة تفتك بالناس، والذهب يُهرب بالمليارات، بينما رئيس وزرائنا منهمك في “تعزيز التفاهم بين الأديان”!

هذا الامر يكشف بجلاء عبثية الأولويات لدى نخبة سياسية منفصلة تماماً عن الواقع. فبينما يئن السودانيون تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق، وينتظرون حلولاً عملية لمشاكلهم اليومية، ينشغل رئيس الوزراء بزيارة أصغر دولة في العالم، في رحلة تكلفتها الباهظة كان يمكن توجيهها لشراء أدوية لمستشفيات الخرطوم أو وقود لمحطات المياه. لا يمكن وصف هذا السلوك إلا بأنه “سياحة سياسية” ممولة من قوت الشعب، أو هروباً من واقع الضغط الشعبي المتزايد.

أما عن الفائدة المرجوة من الفاتيكان، فالتاريخ يخبرنا أن الفاتيكان دولة رمزية بامتياز، لا تملك جيوشاً ولا اقتصادات، و”قوتها الناعمة” في السودان تكاد لا تُرى بالمجهر. المسيحيون في السودان لا يتجاوزون 5% من السكان، والفاتيكان لا يملك استثمارات ولا مشاريع تنموية في البلاد. دوره في السلام السوداني ظل دائماً في إطار “النداءات الروحية” التي لم توقف رصاصة واحدة، حيث اكتفى المطارنة بالدعوات العامة لوقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية. الرهان على وساطة بابا الفاتيكان في صراع لا يخوضه طرف مسيحي هو رهان خاسر، أشبه بمن يحمل مصباحاً لإنارة الشمس. لن نكسب سوى غضب ترامب والذي هو على خلاف معلن مع البابا هذا.

الهدف الحقيقي الوحيد الذي قد يفسر هذه الزيارة هو “الاستقواء الرمزي” لا أكثر. ففي وقت تتوتر فيه علاقة البابا ليو الرابع عشر بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ربما رأت حكومة بورتسودان فرصة للتموضع في صف “العدو اللدود” لواشنطن، لعلها تكسب تعاطفاً رمزياً أو تضغط بورقة أخلاقية فارغة. إنها حسابات صبيانية في لعبة دولية لا ترحم، بينما الشعب السوداني يدفع الثمن وحيداً.

في المحصلة، لم ولن يجني السودان من هذه الزيارة غير الخيبة. لا اتفاقيات اقتصادية، ولا التزامات إغاثية، ولا حتى وعد بجولة بابوية في شوارع الخرطوم المنكوبة. إنها رحلة عبثية بكل المقاييس، تضاف إلى سلسلة طويلة من زيارات خارجية لرئيس وزراء بدا أكثر اهتماماً بجوازات سفره من ملفات وطنه. وحتى ينشغل المسؤولون عن “صلاة المكاء والتصدية” في الفاتيكان، سيبقى السودانيون وحدهم، ينتظرون من يحمل لهم الخبز والدواء، لا الوعود الروحية…

دولة رئيس الوزراء.. أعدل هذا الخال المائل.. كفى!.

نقطة سطر جديد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.