*الوجود الأجنبي في السودان – من استنزاف الموارد إلى السيادة المالية و الإقتصادية* *الشاذلي حامد المادح َ*
*الوجود الأجنبي في السودان – من استنزاف الموارد إلى السيادة المالية و الإقتصادية*
*الشاذلي حامد المادح َ*
يواجه السودان في عام 2026م مشهداً ديموغرافياً معقداً ، فبينما فرضت الحرب واقع النزوح و اللجوء على ملايين السودانيين ، ظل السودان وجهةً و مستقراً لمئات الألاف من الأجانب . هذا الوجود لم يعد مجرد مسألة إنسانية ، بل أصبح ملفاً أمنياً و إقتصادياً يتطلب رؤية إستراتيجية تتجاوز الحلول التقليدية .. إن حجم الوجود الأجنبي في المناطق الآمنة و المحررة يفرض اليوم ضرورة التحول من (عقلية الإستضافة) إلى (عقلية الإدارة) التي تضمن سيادة الدولة و تحول العبء إلى مورد .
*حجم و معطيات الوجود الأجنبي (2026م)*
تُظهر بيانات المنظمات الدولية (UNHCR و IOM) إستقرار أعداد ضخمة من الأجانب داخل الأراضي السودانية :
الإجمالي التقديري : حوالي 862,000 لاجئ و طالب لجوء مسجل رسميًا .
التوزيع الجغرافي : يتوزع هؤلاء بين معسكرات اللجوء بنسبة 66% (القضارف، كسلا، النيل الأبيض)، بينما يقطن 34% منهم في المناطق الحضرية و الآمنة (بورتسودان ، عطبرة ، أم درمان ، مدني) .
الجنسيات الغالبة : يتصدر القائمة مواطنو جنوب السودان ، إريتريا ، و إثيوبيا ، مع وجود جاليات مؤثرة من سوريا و اليمن ودول غرب أفريقيا .
الديناميكيات الجديدة : رُصد دخول 84,000 وافد جديد منذ مطلع 2025م ، في حين بدأت حركة عودة عكسية لألاف الأجانب إلى أحياء الخرطوم و أم درمان و بحري بعد تأمينها و معاودة الطيران لرحلاته لمطار الخرطوم .
*السياسة المتبعة حالياً – بين الحزم الأمني و التنظيم*
تنتقل السلطات السودانية حالياً نحو سياسة ضبط الوجود الأجنبي و تتمثل ملامحها في :
المسار الأمني : حملات حصر مكثفة في الولايات الآمنة و توجيهات سيادية بترحيل المخالفين (تم ضبط و ترحيل 15,000 مخالف مؤخراً) ، مع خطط لإخلاء الأجانب من الأحياء السكنية المكتظة و تجميعهم في نقاط تحت الرقابة .
المسار الاقتصادي : فرض رسوم على تأشيرات الدخول (154 دولاراً) و إلزامية التسجيل خلال 3 أيام ، مع فرض رسوم إقامة تتراوح بين 50 إلى 100 دولار ، و إشتراط تصاريح عمل للمهن التجارية و الحرفية لمنع المنافسة غير العادلة للعمالة الوطنية .
*المقارنة الدولية والعدالة التبادلية*
يدفع السودانيون في الخارج أثماناً باهظة مقابل (الإقامة) و هو ما يجب أن ينعكس في التعامل مع الوجود الأجنبي بالمثل (Reciprocity) :
المملكة العربية السعودية : يدفع المقيم السوداني 4,800 ريال سنوياً (1,280 دولاراً) كمقابل مالي لكل تابع (مرافق) في أسرته .
جمهورية مصر العربية : تتراوح الرسوم السنوية بين 1,500 إلى 2,000 جنية مصري مع تعقيدات إدارية و مالية في التجديد .
دول الخليج : تُدفع رسوم تتراوح بين 500 إلى 1,000 دولار سنوياً حسب فئة الإقامة و تكاليف الفحص الطبي و التأمين .
المفارقة : في الوقت الذي يدفع فيه السوداني العملة الصعبة في الخارج ، ظل الوجود الأجنبي في السودان لسنوات طويلة دون عائد سيادي حقيقي يوازي الضغط على الخدمات و البنية التحتية .
*المقترح الاقتصادي و تقديرات العائد*
يقترح المقال إنشاء (الهيئة الوطنية لشؤون الأجانب) لتكون نافذة مركزية موحدة . و بناءً على المعطيات العالمية ، يُقدر العائد السنوي في حال تقنين 500,000 أجنبي فقط كالتالي :
رسوم الإقامة السيادية : (100 دولار × 500,000) = 50 مليون دولار سنوياً .
تصاريح العمل المهنية : (بمتوسط 150 دولاراً) = 15-20 مليون دولار سنوياً .
جذب التمويل الدولي : الرقمنة تتيح للدولة جذب منح بنحو 200 دولار لكل لاجئ مسجل، مما قد يوفر ميزانيات ضخمة لتطوير البنية التحتية المحلية .
تنشيط الإقتصاد المحلي : عبر فرض “كوتة عمالة” سودانية في المشروعات الأجنبية، و تحويل الأجانب لمستهلكين رسميين في نظام الضريبة .
*المطلوبات الفنية و اللوجستية*
للنجاح في هذا التحول يحتاج السودان إلى :
نظام الحصر البيومتري الموحد : قاعدة بيانات مركزية تشمل البصمات الحيوية (العين و الإصبع) لمنع التزوير .
بطاقة الهوية الذكية (Smart ID) : بطاقة موحدة تعمل كإقامة و تصريح عمل و مرجع أمني مزودة بـ (QR Code) .
النافذة الواحدة (One-Stop Shop) : مراكز مدمجة تشمل الهجرة، الأمن، العمل و الصحة و البنك المركزي لضمان التحصيل بالعملة الصعبة .
أتمتة التحصيل : إلغاء التعاملات النقدية و الإعتماد على الدفع الإلكتروني المباشر لضمان الشفافية .
*توصيات إضافية*
التصنيف الفئوي : يجب عدم مساواة (اللاجئ المعدم) بـ (المستثمر أو التاجر الأجنبي) حيث تُفرض رسوم عالية على الفئات المقتدرة ، بينما يُلزم اللاجئون ببرامج (النقد مقابل العمل) في مشروعات إعادة الإعمار و الزراعة .
السيادة القانونية : تفعيل (شرطة الأجانب) و تزويدها بوسائل تقنية للرقابة الميدانية لضمان أن كل أجنبي في المناطق الحضرية يمتلك وضعاً قانونياً محدثاً .
أخيرا .. إن تحويل الوجود الأجنبي في السودان من (عبء) إلى (مورد) هو خطوة استراتيجية لإستعادة هيبة الدولة و تنظيم مواردها المفقودة . إن إنشاء هيئة مركزية موحدة تدير هذا الملف بعقلية (السيادة الاقتصادية) سيوفر للخزينة العامة موارد نقدية هائلة، و يخفف الضغط الأمني و يضمن للسودان مكاناً في خارطة الدول التي تحسن إدارة مواردها البشرية العابرة للحدود ، تماماً كما تفعل دول العالم مع المغتربين السودانيين .
