*من الحرب العسكرية إلى حرب التجويع* *كيف تحوّلت حرب السودان إلى معركة إنهاء اقتصادي؟* *بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني*
*من الحرب العسكرية إلى حرب التجويع*
*كيف تحوّلت حرب السودان إلى معركة إنهاء اقتصادي؟*
*بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني*
بينما تركز أنظار العالم على المعارك العسكرية يخوض السودان حرب أخرى أكثر صمت ولكنها أخطر على المدى البعيد ألا هي الحرب الاقتصادية الممنهجة تهدف إلى إنهاك الدولة وإسقاطها من الداخل، بعد أن فشلت مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها الإقليميون من تحقيق النصر العسكري لجأوا إلى استراتيجية أكثر دهاء و قذارة تتمثل في تحويل السودان إلى ساحة إفقار جماعي.
*من الانهيار العسكري إلى الابتزاز الاقتصادي:*
شهدت الأشهر الأخيرة انهيار واضح لكل العيان لقدرات المليشيا في الميدان العسكري حيث تكبدت خسائر فادحة في العتاد والروح المعنوية وفقدت السيطرة على مناطق استراتيجية وانضمام كبار قادتها إلى القوات المسلحة،ولكن بدلا من الانكسار تحولت الحرب إلى مسرح آخر وهي حرب العملات والسلع والذهب.
الدول الداعمة للمليشيا وفي مقدمتها الإمارات وإثيوبيا وتشاد وليبيا أعادت ترتيب أوراقها وأدركت هذه الأطراف أن إطالة أمد الحرب العسكرية قد تؤدي إلى استنزاف قواتها بالوكالة فاختارت مسارا بديلا قوامه:
1. تهريب الذهب السوداني عبر الحدود الغربية والشرقية، لحرمان الحكومة من أهم مصادر النقد الأجنبي.
2. ضرب العملة المحلية عبر ضخ عملات مزورة وإغراق الأسواق الموازية بالدولار بأسعار متقلبة.
3. إعاقة الإنتاج الزراعي عبر استهداف البنية التحتية مثل الطرق في مناطق الحصاد مثل الجزيرة والقضارف.
4. خلق أزمات مصطنعة في السلع الأساسية عبر احتكار المواد الغذائية والدواء.
*مواطن الضعف لدى الحكومة: تشخيص الجرح قبل العلاج*
بصراحة تعاني ايضا الحكومة السودانية من ثغرات بنيوية استغلها العدو ببراعة و تتمثل في :
– ضعف السيطرة على المنافذ غير الرسميةالحدود الممتدة مع تشاد وليبيا وإثيوبيا حيث تعبر الشاحنات المحملة بالعملة والسلاح والذهب دون رادع حقيقي.
– هشاشة النظام المصرفي من غياب رقابة فعالة على حسابات الصرافين والتجار المشبوهين سهل عمليات تبييض الأموال وتحويل العملة.
– ازدواجية سعر الصرف حيث الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي خلقت بيئة خصبة للمضاربة والمهربين.
– ضعف الإسناد الدبلوماسي الاقتصادي حيث لم تستغل القنوات الدولية بشكل كاف لفضح ممارسات الدول الداعمة للمليشيا في تهريب الثروات.
*إجراءات عاجلة لتحصين الاقتصاد*
أولا: على المستوى الداخلي:
– محاكمة مخربي الاقتصاد بتهم الخيانة العظمى والذين يمولون المليشيا عبر شراء الذهب المهرب أو تمويل شراء السلاح.
– إعادة هيكلية الجمارك والضرائب على الحدود مع إنشاء وحدات تدخل سريع لمكافحة التهريب.
– الرقمنة الإجبارية للمدفوعات التجارية الكبيرة مع حظر التعامل النقدي في الصفقات التي تتجاوز قيمة محددة.
– إنشاء صندوق حماية اجتماعي لمواجهة ارتفاع الأسعار يمول من أموال الفاسدين والمضاربين المصادرة.
ثانيا: على المستوى النقدي
– توحيد سعر الصرف تدريجيا مع فرض آلية تحد من المضاربة.
– تشديد العقوبات على الصرافين الذين يتعاملون بسعر غير السعر الرسمي المعلن.
ثالثا: على المستوى الإقليمي والدولي
– رفع دعاوى قضائية دولية ضد الدول التي تثبت تورطها في تهريب الذهب والنقد السوداني.
– تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني مع دول الجوار غير المعادية لإغلاق حدودها أمام المهربين.
– الاستعانة بخبرات دولية لتتبع الأصول السودانية المهربة إلى الخارج.
*التشديد الداخلي على المخربين…لا تهاون مع خونة الاقتصاد*
لا يمكن الفصل بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية فكل من يقوم أو تثبت عليه جرائم لتخريب الاقتصاد تجاريا أو ماليا هو شريك في القتل والتجويع. يجب:
– تشكيل نيابات ومحاكم متخصصة في جرائم الحرب الاقتصادية.
– نشر أسماء المخربين اقتصاديا على الملأ، ومصادرة ممتلكاتهم فورا.
– إغلاق أي منشأة تجارية أو صرافة تثبت علاقتها بتمويل أو تهريب العملة.
– استحداث جائزة مالية لمن يبلغ عن صفقات تهريب الذهب أو الأسلحة.
السودان اليوم في مرحلة حرب وجودية لا تقل خطورة عن أي معركة عسكرية، مليشيا الدعم السريع وحلفاؤها راهنوا على أن الاقتصاد السوداني سينهار قبل أن ينهاروا هم عسكريا. إفشال هذا الرهان يتطلب جراحة اقتصادية غير مسبوقة ومحاسبة لا هوادة فيها لكل من يضع مصلحته الشخصية فوق أمن البلاد وسلامة شعبها.
الوعي الشعبي بقضية الحرب الاقتصادية لا يقل أهمية عن السلاح في الجبهات فكل مواطن يمتنع عن شراء الذهب من مصادره غير الرسمية أو يبلغ عن عمليات تهريب يكون جندي في هذه المعركة الصامتة إما أن ننتصر اقتصاديا أو أن تخسر معركتنا العسكرية تلو الأخرى بفعل الخيانة والجوع.
( إن شاء الله الرسالة وصلت)
