ما وراء الزجاج ملف الأسرى والمفقودون : أرقام تصرخ وذاكرة صامتة بقلم: هجو أحمد محمد علي
ما وراء الزجاج
ملف الأسرى والمفقودون : أرقام تصرخ وذاكرة صامتة
بقلم: هجو أحمد محمد علي
بينما تهتم دول العالم لتنتشل غائبها من غياهب النسيان إلى نور الكرامة نقف في السودان أمام مشهد يشين في مواجهة قضية (الأسري ) و(المفقودين ) فالولايات المتحدة ــ التي لا تتوانى عن تتبّع (رفات ) جنودها (المفقودين) منذ حرب فيتنام عبر وكالة متكاملة (DPAA) تنفق الملايين وترسل الفرق إلى أقاصي الأرض لأنها تؤمن أن (جنديا) واحداً يساوي (وطناً) بأكمله وألمانيا التي أعادت عبر مؤسسات مجتمعها المدني دفن آلاف (القتلى ) لم تهدأ حتى أعادت لأسرها من غابت هويتهم تحت (الأنقاض) لأنها تعلم أن انتظار الأمهات ليس احتمالاً بل وفي قلب إفريقيا ذاتها نماذج لا تقل إشراقاً ففي جنوب أفريقيا أقامت فريق العمل المعني ب(المفقودين) كجهاز حكومي دائم لا يزال حتى اليوم يبحث عن المختفين في عهد (الفصل العنصري)ويعيد (رفاتهم) إلى أسرهم واحدة تلو الأخرى لأنها أدركت أن (وطناً) لا يكترث لغائبه (أسيرا ) أو (مفقودا ) الا يستقيم له حاضر وفي نيجيريا رغم وطأة حرب (بوكو حرام) التي سجلت أكثر من (25,000) (مفقود) لدى اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعمل تحت ضغط محلي ودولي لفتح (المقابر الجماعية) والبحث عن (الضحايا) لأنها تعلم أن الرقم وراءه قلوب تنزف.
كل هذه الدول ــ غنية وفقيرة ــ تضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار و تخصص (الميزانيات) وتنشئ (الآليات) تتعاون مع المنظمات الدولية لأنها تؤمن بأن (المفقود) أو (الأسير ) ليس (رقماً) وأن صمت الأسرة ليس احتمالاً أما نحن في السودان فنقف أمام مشهد مهين في قضية (إنسانية وطنية) كبرى ترمى في زنزانة الصمت دون مبالاة
أرقام تصرخ خلف زجاج صامت
أرقام اللجنة الدولية للصليب الأحمر وحدها تكفي لتفضح هذه اللامبالاة ففي عام 2024 وحده تجاوز عدد المسجلين ك(مفقودين) (ثمانية آلاف) مع اعتراف المنظمة ذاتها بأن هذا الرقم ليس إلا (غيضاً من فيض) وتقديرات (حقوقيين ) تصعق العق قد يصل العدد الإجمالي إلى (خمسين ألف) إنسان طويت أسماؤهم على الورق كأنهم لم يعيشوا لم يضحكوا لم يحلموا.
وفي مواجهة طوفان الأرقام والدموع يقف (السياسيون ) و(المسؤولون) وقفة العاجز عن البكاء أمام القبر الفارغ لا همهم (الأسير) خلف القضبان ولا شغلهم الشاغل (المفقود) في خرائط الأمكنة وكل همهم الشاغل هو الهرولة إلى (عواصم أجنبية) أشعلت نار الحرب في البلاد سعيا وراء منصباً أو مقعداً وهم يلهثون خلف اقتسام كراسي السلطة والدماء لم تجف بعد وكأن (خمسين ألف) (مفقود) ليسوا سوى (خسائر جانبية) في معادلاتهم الباردة.
وهناك أرقام أخرى لا تقل فظاعة ( 7,700) طلب مساعدة للبحث عن (مفقودين) تلقتها اللجنة الدولية و (45,000) مكالمة هاتفية يائسة مع أسر ممزقة لم تفلح كل تلك المكالمات إلا في لمّ شمل (755) أسرة فقط. بينما يئن أكثر من (9.9 ملايين) نازح داخل وطنهم ويفر أكثر من (12 مليوناً) بين نزوح ولجوء خارجي انهاةصرخات يصم صداها جدار من زجاج اللامبالاة.
صحيح أن هناك (لجنة معالجة قضية الأسرى والمفقودين) التي شكلت في فبراير 2022 قبل الحرب بنحو عام لكنها ولدت لمتابعة ملفات ما قبل اتفاقية جوبا للسلام 2020 لا لمواجهة كوارث حرب لم تكن قد اندلعت بعد وظلت هذه اللجنة ــ حتى قبل الحرب ــ أسيرة التعقيدات وضعف الإرادة تائهة في متاهات البيروقراطية.
أما بعد الخامس عشر من أبريل 2023 فلم تُعلن الحكومة السودانية عن أي هيئة أو آلية جديدة ومتخصصة لمتابعة قضايا الأسرى والمفقودين لا لجنة لا مفوضية مختصه صمت مطبق وسط (ضجيج سياسي) بلا معني ولا مضمون وكأن الحرب لم تحدث أوجاعاً وكأن آلاف المفقودين الجُدد ليسوا من مسؤولية الدولة.
في هذا الفراغ الرهيب تحولت مهمة التوثيق إلى مبادرات (مجتمع مدني ) مستقلة وجهود فردية تعمل تحت القصف وبلا إمكانات. بعضها رصدت وحدها اختفاء 206 شخصاً في أحداث مدينة سنجة عام 2024. و(لجنة توثيق جرائم معسكر زمزم) وثقت عشرات حالات القتل والاختفاء القسري خلال هجوم أبريل 2025 على المخيم في دارفور وفي خضمّ هذا الغياب المدوّي للدولة برز (نشطاء متطوعون) ساعدوا أسراً منهكة في العثور على ذويهم بعد الإفراج عنهم وكأن الوطن قام على أكتاف أبنائه رغم تخلي حكامه.
لكن المجتمع المدني لم يكتفِ بالتوثيق ففي أبريل 2025، فقد تعالت الأصوات مطالبة بتشكيل (لجنة وطنية متخصصة) وانضمت إليها أصوات حقوقية أخرى في إدراك مجتمعي لحاجة ماسة لا تحتمل التأجيل ودعا خبراء في نوفمبر 2025 إلى تأسيس (لجنة قومية مستقلة) ــ دعوة رصينة استصطدمت بجدار من الصمت الرسمي وانشغال الساحة بصراعات هامشية على مقاعد لم تحترق بعد.
إن استمرار تجاهل ملف (الأسرى) و(المفقودين) ليس تقصيرا إداريا يُغتفر. إنه وصمة عار أخلاقية على جبين كل من يتولى أمر هذا البلد. خمسون ألف مفقود، و45 ألف مكالمة يائسة، و12 مليوناً بين نزوح ولجوء ــ كلها تصرخ خلف زجاج سميك من اللامبالاة لن ينكسر هذا الزجاج إلا بتحرّك داخلي جاد بتكوين لجنة قومية مستقلة بصلاحيات كاملة بعضوية تمثل أسر المفقودين، ونقابة المحامين، والهلال الأحمر السوداني، ومنظمات المجتمع المدنيمعة تخصيص ميزانية طارئة لتشكيل وحدات طب شرعي علي أن يصاحب ذلك حملة وطنية باسم (الأسري والمفقودين ) لتوثيق كل اسم وكل صورة، وإيصال الصرخة إلى كل بيت سوداني و تخصيص برامج في وسائل الإعلام المختلفة تخصص لأسر المفقودين وتحوّل القضية من صمت رسمي إلى رأي عام صارخ لا يُسكت والاهم من ذلك تكوين منصة رقمية وموقع إلكتروني يتيح لكل أسرة تسجيل بلاغها وتحديث البيانات يومياً، مع ضمانات صارمة لحماية خصوصية المبلغين، ويُربط بالصليب الأحمر والمنظمات الحقوقية المحلية لتكامل الأدلة.
خمسون ألف مفقود ليسوا أرقاماً باردة في جداول حكومية. هم وجوه لا تعرف النسيان. أمهات ينتظرن على أعتاب البيوت . أطفال لا يعرفون إن كان آباؤهم أحياءً بين الأحياء، أو أمواتاً بين الموتى، أو شيئاً ثالثاً لا نعرفه. هم ذاكرة تتألم وصمت يقتل.
إن قيام المجتمع المدني ــ بمبادراته ونشطائه ـبما هو واجب الدولة، لا يُبرئ حكاماً تخاذلوا. بل هو إدانة صارخة لهم، ودليل على أن الوطن لا يزال حياً على أكتاف أبنائه، رغم من تخلوا عنه لقد آن الأوان ليقول السودان بسلطانه وإعلامه وشعبه : أننا لن نمر مرور الكرام. لن نطوي ملف المفقودين كما تُطوى موتى بلا أسماء. فإما أن ينهض السياسي والإعلامي بواجبهما الأخلاقي والقانوني الآن، وإلا ــ فلتُكتب علينا وصمة العار، والتاريخ لا يرحم أبداً.
