السودان اولا جيش واحد شعب واحد وطن واحد حين تصمت الدولة… تتكلم الشائعات البيان الرسمي… ضرورة وطنية في زمن معركة الوعي ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
السودان اولا
جيش واحد شعب واحد وطن واحد
حين تصمت الدولة… تتكلم الشائعات
البيان الرسمي… ضرورة وطنية في زمن معركة الوعي
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

«”هناك لحظات لا تنتظر فيها الشعوب قرارا جديدا، ولا إجراء استثنائيا، بل تنتظر كلمة من الدولة. وتلك الكلمة، في الدولة الحديثة، تسمى البيان الرسمي.”»
ليست كل الحروب تدور في ميادين القتال، وليست كل الانتصارات تحسم بالسلاح. فهناك معركة أخرى لا تقل خطورة، تدور في فضاء الإعلام وعقول الناس. وفي هذه المعركة تصبح الكلمة مسؤولية، والمعلومة قوة، والبيان الرسمي أحد أهم أدوات الدولة الحديثة.
ومن هنا يبرز سؤال يفرض نفسه كلما وقع حدث كبير يمس الوطن أو المواطن: أين البيان الرسمي؟
ليس المقصود بيانا من أجل البيان، ولا سعيا لإرضاء وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، وإنما المقصود ممارسة مؤسسية استقرت عليها الأعراف الدولية في إدارة الأزمات. فعندما تقع أحداث أمنية أو سياسية أو إنسانية أو كوارث عامة، تبادر الدول إلى مخاطبة شعوبها ببيان رسمي يوضح ما يمكن إعلانه، ويحدد موقفها، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن مؤسسات الدولة حاضرة، وتدير المشهد بثقة ومسؤولية.في عصر الإعلام الرقمي أصبحت منصات التواصل أشبه بميكرويف إعلامي هائل. ففي ثوان معدودة يسخن الخبر، ثم يعاد تسخينه آلاف المرات بالتعليقات والتحليلات والتأويلات، حتى يصبح أكثر انتشارا من الحقيقة نفسها. وكل دقيقة يتأخر فيها البيان الرسمي تتسع مساحة الشائعة، ويجد أصحاب الأجندات فرصة لصياغة رواياتهم، بينما يظل المواطن يبحث عن مصدر موثوق يطمئن إليه.
والميكرويف لا يصنع الطعام، وإنما يسرع تسخينه. وكذلك الشائعة لا تصنع الحقيقة، لكنها ترفع درجة حرارتها حتى تبدو وكأنها حقيقة مكتملة. وهنا تتجلى قيمة البيان الرسمي، فهو لا يلاحق الشائعة، بل يحاصرها قبل أن تتحول إلى قناعة عامة يصعب تغييرها.
وفلسفيا، الإنسان لا يخاف من الحقيقة بقدر ما يخاف من الغموض. والعقل بطبيعته يرفض الفراغ، فإذا غابت المعلومة الرسمية، ملأ ذلك الفراغ بالتوقعات والاجتهادات، وربما صدق أكثر الروايات إثارة لا أكثرها صدقا. لذلك فإن أخطر أنواع الفراغ ليس فراغ المكان، وإنما فراغ المعلومة.
لقد أثبتت التجارب أن الرواية الأولى تترك الأثر الأكبر في الوعي العام. ولهذا أصبح البيان الأول جزءا من إدارة الحدث، وليس مجرد تعليق عليه. فالبيانات المتأخرة قد تصحح بعض المعلومات، لكنها كثيرا ما تجد نفسها في سباق مع روايات سبقتها إلى عقول الناس.ولا يعني ذلك أن تكشف الدولة كل ما لديها من معلومات، فهناك اعتبارات تتعلق بالأمن الوطني، وسرية التحقيقات، والمصلحة العامة. لكن بين الصمت الكامل وكشف كل التفاصيل مساحة واسعة تستطيع الدولة أن تتحرك فيها بحكمة، فتقدم المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، وتحافظ في الوقت نفسه على مقتضيات السرية.
إن البيان الرسمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعلومة، بل أصبح جزءا من الاتصال الاستراتيجي للدولة، وعنصرا من عناصر الأمن الوطني، وأداة لحماية الثقة العامة، قبل أن يكون وسيلة للتواصل مع وسائل الإعلام. فهو يعبر عن حضور الدولة، ويؤكد يقظة مؤسساتها، ويمنح المواطن الثقة بأن هناك من يدير الحدث بعقل ومسؤولية.
إننا لا ندعو إلى إصدار البيانات في كل صغيرة وكبيرة، وإنما إلى ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل البيان الرسمي حاضرا كلما استدعى الحدث ذلك. فالدولة التي تتحدث في الوقت المناسب تسبق الشائعة، وتطمئن المواطن، وتحافظ على هيبتها، وتؤكد أن الحقيقة لها عنوان رسمي.
في إدارة الدول، لا يكفي أن تمتلك الحقيقة، بل يجب أن تكون أول من يعلنها. فالدولة التي تسبق إلى البيان، تسبق إلى بناء الثقة، وتحمي وعي شعبها، وتصون هيبة مؤسساتها.
أما الدولة التي تتأخر في رواية الحقيقة، فإنها تترك فراغا لا يبقى صامتا، بل تملؤه الشائعات، وتتنافس فيه الروايات، ويجد فيه أصحاب الأجندات مساحة للتأثير في الرأي العام.
فحين تصمت الدولة… تتكلم الشائعات. وحين تتحدث الدولة في الوقت المناسب… تنتصر الحقيقة
