منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

البعد_الاخر مصعب بريــر ما بعد السلة: كيف تتنفس قمامتا ميثاناً يخنق المستقبل؟

0

البعد_الاخر
مصعب بريــر
ما بعد السلة: كيف تتنفس قمامتا ميثاناً يخنق المستقبل؟

هل تساءلت يوماً وأنت تمر بجوار كومة قمامة في طرف الحي، عن المصير الحقيقي لتلك البقايا التي نتخلص منها يومياً دون أدنى تفكير؟ نحن نعتاد على رؤية النفايات كملف خدمي بسيط يتعلق بنظافة الشوارع وهيبة المحليات، لكن الخطر الأكبر ينشأ بعيداً عن الأعين حين تتحول هذه النفايات العضوية في المكبات إلى معامل كيميائية خفية. في تلك الأعماق المغلقة، تتنفس المادة العضوية بلا هواء، لتقذف في جو السماء غاز الميثان الصامت، وهو غاز يحتبس الحرارة بأقوى مما يفعل ثاني أكسيد الكربون بثمانية وعشرين إلى ستة وثلاثين مرة. إننا لا نتخلص من القمامة في واقع الأمر، بل ندفن القنابل الموقوتة التي تغذي ظاهرة الاحتباس الحراري، ونخسر في الوقت ذاته موارد اقتصادية هائلة كان يمكن أن تعيد تشكيل مستقبلنا البيئي والمادي.

تكمن الفكرة المحورية هنا في أن قطاع النفايات، على عكس القطاعات الصناعية المعقدة كالنقل والطاقة، يمثل أقصر الطرق وأقلها كلفة للوصول إلى نتائج مناخية سريعة وملموسة. فالقضية اليوم لم تعد مجرد تجميع للقمامة وتغليفها، بل تتعلق بكيفية إعادة صياغة تعاملنا مع الموارد ضمن ما يعرف بـ “الاقتصاد الدائري”. حين نترك الأطعمة والمواد العضوية تتخمر في المكبات التقليدية، فإننا لا نلوث الأرض والمياه الجوفية فحسب، بل نحرم اقتصادنا الوطني من فرصة توليد الطاقة النظيفة وإنتاج السماد الطبيعي. إن التركيز العالمي المتزايد على هذا القطاع يعود إلى أن خفض انبعاثات الميثان يمنح الكوكب فترة استراحة فورية، تبطئ سير التغير المناخي بينما تستغرق الحلول الأخرى عقوداً لتؤتي أكلها.

لو فككنا هذه المشكلة المزدوجة بأسلوب منهجي، ستتضح لنا الحلقة المفقودة بين السلوك اليومي والأثر المناخي الكلي. فالطريقة الخطية القديمة المتمثلة في الاستهلاك ثم الرمي تعتمد على استنزاف الموارد البكر من الطبيعة لتصنيع مواد جديدة تحترق في نهاية المطاف. في المقابل، فإن البديل الدائري يعتمد على مبدأ بسيط وهو إغلاق دوائر المواد؛ فعلى سبيل المثال، إن إغلاق دائرة الألومنيوم عبر إعادة التدوير يوفر نحو 95% من الطاقة الشاقة المخصصة لاستخراجه من خام البوكسيت. وهكذا، ينعكس كل تصرف بسيط في فصل النفايات من المصدر على خفض الاستهلاك في المصانع الكبرى، مما يحول إدارة النفايات من أزمة بيئية خانقة إلى المحرك الخفي لتقليل الانبعاثات الكربونية المتجنبة.

ولكي لا نغرق في التنظير البيئي، تظهر التجارب الدولية الصريحة أن الحلول الفعالة لا تتطلب بالضرورة تقنيات مكلفة تعجز عنها الدول النامية. تقارير الأمم المتحدة والهيئات المناخية تؤكد أن تحويل نصف النفايات العضوية فقط نحو أنظمة الهضم اللاهوائي والتسميد الهوائي يمكنه خفض انبعاثات الميثان العالمية بنسبة تتراوح بين 35% و50% بحلول عام 2030. وتوضح تجارب دولية مثل نموذج البرازيل في دمج القطاع غير الرسمي من جامعي النفايات، أن تحويل المنظومة إلى العمل التشاركي يحقق مكاسب اجتماعية واقتصادية واضحة. إن الحل في بلداناتنا ليس دائماً في إنشاء المحارق الحديثة الباهظة لبث الكهرباء، بل يتجلى في البدء باحتجاز غاز المطامر القديمة واستخدامه كطاقة انتقالية ميسورة التكلفة وشديدة الفاعلية.

هذا التحول الجذري يلامس حياة الناس بشكل مباشر، لأنه يرتبط بالصحة العامة ومستوى المعيشة والبيئة التي يستنشقها أبناؤنا كل صباح. لا يمكن حث المجتمع على فصل النفايات دون وجود إطار تشريعي حازم يطبق مبدأ “المسؤولية الممتدة للمنتج”، بحيث يتحمل المصنّع كلفة ما ينتجه من بضائع بعد انتهاء عمرها الاستهلاكي. كما ينبغي إدراج قطاع النفايات كعنصر جوهري ملزم ضمن التعهدات الوطنية للمناخ بموجب اتفاقية باريس. إن دمج القطاع غير الرسمي، وتوفير البنية التحتية الأساسية في أحيائنا ومدننا، يسهم في تحويل المكبات السكنية العشوائية من بؤر للأمراض والانبعاثات إلى مصدر طاقة متجدد وفرص عمل خضراء مستدامة للشباب.

إننا نقف اليوم أمام مفترق طرق يتطلب شجاعة صريحة في اتخاذ القرار وإعادة ترتيب أولوياتنا الوطنية بشكل حاسم. الاستمرار في الممارسات التقليدية كالحرق المفتوح وطمر المواد العضوية لم يعد مجرد إهمال إداري عابر، بل هو هدر اقتصادي صريح واستنزاف متواصل لقدرة مجتمعاتنا على الصمود المناخي. إن قطاع النفايات يمسك بكل بساطة بمفتاح التغيير الفوري، لأنه القطاع الوحيد الذي يملك حلولاً جاهزة ومجربة لا تنتظر معجزات تكنولوجية مقبلة. لكن السؤال المحوري الذي يجب أن يواجهه صناع القرار والجامعات والمجتمع بأسره هو: هل سنظل نتعامل مع أطنان النفايات اليومية كعبء يجب التخلص منه، أم سنراها ككمية هائلة من الثروة والمناخ المصان؟

بعد اخير:

خلاصة القول، القمامة التي نلقيها في الشارع كل صباح ليست سلة مهملات للمستقبل، بل هي المرآة الصادقة التي تعكس مدى وعينا بقيمة الموارد.

أخيرًا، نحن لا ندفن النفايات تحت الأرض، بل ندفن الفرصة الأخيرة لاستعادة توازن كوكبنا قبل أن يخنقنا دخان ما أهملناه.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.

البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأحد | 26 يوليو 2026م
musapbrear@gmail.com

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.