حين يتحول الذهب إلى نور… مشروع وطني لإنارة مئة ألف عمود في العاصمة ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
حين يتحول الذهب إلى نور… مشروع وطني لإنارة مئة ألف عمود في العاصمة
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

حين تغرق شوارع الخرطوم وبحري وأم درمان في الظلام، لا ينطفئ الضوء وحده، بل يضعف الأمن، وتتراجع حركة الأسواق، وتتعثر المواصلات، ويزداد خوف المواطنين، وتتأخر عودة الأسر إلى أحيائها ومنازلها.
فالمدينة لا تستعيد حياتها بالحديث عن الإعمار وحده، وإنما تستعيدها حين تعود إليها الخدمات، ويشعر المواطن بأن الشارع آمن، والسوق مفتوح، والطريق واضح، والدولة حاضرة.
ومن هنا تبرز فكرة وطنية بسيطة في ظاهرها، كبيرة في أثرها: تحويل مئة ألف عمود إنارة قائم في الخرطوم وبحري وأم درمان إلى منظومات مستقلة تعمل بالطاقة الشمسية.
والمشروع لا يبدأ من الصفر؛ فالأعمدة والقواعد ومواقع الإنارة موجودة بالفعل. ولذلك تنحصر التكلفة الأساسية في توفير الكشافات الموفرة للطاقة، والألواح الشمسية، وبطاريات الليثيوم، ومنظمات الشحن، وملحقات الحماية والتثبيت، إلى جانب أعمال التركيب والفحص والصيانة.
وبحسب تقدير أولي، يمكن أن يبلغ متوسط تجهيز العمود القائم نحو 270 دولارا عند الشراء بالجملة والتعاقد المباشر مع المصانع، مع مراعاة اختلاف المواصفات بين الأحياء والشوارع الرئيسية.
فالأحياء الداخلية قد تحتاج إلى كشافات بقدرة تتراوح بين 50 و60 واط، بينما تحتاج الشوارع المتوسطة إلى نحو 80 واط، أما الطرق الرئيسية والجسور والتقاطعات فتحتاج إلى قدرات أعلى قد تبلغ 100 واط.
وعلى هذا الأساس، فإن إنارة مئة ألف عمود قد تحتاج إلى نحو:
27 مليون دولار أمريكي.
ووفقا لسعر الذهب العالمي وقت التنفيذ، فإن هذا المبلغ يعادل تقريبا أقل من ثلث طن من الذهب.
وهنا تظهر المفارقة الوطنية بوضوح:
اقل من ثلث طن من ذهب السودان يمكن أن ينير مئة ألف عمود في العاصمة القومية.
أقل من ثلث طن يمكن أن يحول شوارع مظلمة إلى طرق آمنة، وأسواقا راكدة إلى مساحات نابضة بالحركة، وأحياء خائفة إلى مناطق تستعيد الثقة والحياة.
إن إنارة الشوارع ليست مشروعا تجميليا ولا ترفا يمكن تأجيله، بل هي مشروع أمن واقتصاد وإعمار.
فالإنارة أمن، لأنها تقلل مساحات الظلام التي تستغل في السرقة والجريمة والتعدي، وتساعد الشرطة والدفاع المدني والإسعاف على أداء واجباتهم، وتمنح المواطن شعورا أكبر بالطمأنينة.
والإنارة اقتصاد، لأن السوق المضاء يعمل ساعات أطول، وتتحسن فيه حركة البيع والشراء، وتستمر المواصلات، وتفتح أبواب الرزق أمام أصحاب المحال والباعة والعمال.
والإنارة عودة وإعمار، لأن المواطن لا يمكن أن يعود مطمئنا إلى حي مظلم يفتقر إلى الحد الأدنى من الأمن والخدمات. وحين تضاء الشوارع، يشعر الناس بأن الحياة بدأت تعود، وأن الإعمار لم يعد مجرد وعد.
وهي كذلك تخفيف مباشر للضغط على الشبكة القومية، لأن كل عمود يعمل بالطاقة الشمسية يخرج من حمل الكهرباء العامة، ويوفر جزءا من الطاقة للمنازل والمستشفيات ومحطات المياه والمصانع.
لكن نجاح المشروع لا يتوقف على الفكرة وحدها، بل على كيفية التنفيذ.
فلا ينبغي أن يتحول إلى عقد استيراد ضخم تسيطر عليه السمسرة، أو إلى سوق للمعدات الرديئة التي تتعطل بعد أشهر. كما لا يجوز أن يكون معيار الاختيار هو أقل سعر فقط، لأن الرخيص الذي يفشل سريعا يصبح أكثر تكلفة من الجيد الذي يعمل لسنوات.
المطلوب عطاء شفاف، ومواصفات فنية موحدة، وشراء مباشر من المصانع، وضمان حقيقي، وفحص مستقل، وربط الدفعات بعدد الأعمدة التي تعمل فعليا وجودة الإنارة واستمرار الصيانة.
كما يجب تقسيم المشروع إلى حزم تنافسية، مثلا عشر حزم، تضم كل حزمة عشرة آلاف عمود، حتى لا يحتكر مورد واحد المشروع كله، وحتى تتوفر السرعة والمنافسة وإمكانية المحاسبة.
ويجب ترقيم كل عمود وربطه بسجل إلكتروني يوضح موقعه، ومواصفاته، وتاريخ تركيبه، وفترة ضمانه، وأعمال الصيانة التي أجريت عليه.
ولا يشترط أن تتحمل الخزانة العامة كامل التكلفة مقدما، إذ يمكن تنفيذ المشروع عبر شراكة استثمارية، يتولى فيها المستثمر التمويل والتوريد والتركيب والصيانة، وتدفع الدولة مقابل كل عمود يعمل فعليا.
فالدولة لا ينبغي أن تدفع ثمن المعدات فقط، بل تدفع مقابل نور مستمر وخدمة قابلة للقياس.
كما يمكن الاستفادة من الإعلانات المنظمة على بعض الأعمدة في الشوارع التجارية، ومن مساهمات البنوك وشركات الاتصالات والتعدين والتأمين في إطار المسؤولية المجتمعية.
والمطلوب الآن قرار واضح بتشكيل لجنة فنية ومالية مشتركة، تضم وزارات الكهرباء والمالية والحكم الاتحادي والاستثمار والداخلية، تتولى خلال ثلاثين يوما حصر الأعمدة، وإعداد المواصفات، وتحديد التكلفة، ووضع نموذج الاستثمار، وطرح العطاء.
إن السودان لا يحتاج إلى جبال من الذهب حتى يضيء عاصمته، بل يحتاج إلى قرار أمين، وإدارة كفؤة، وأولوية تضع المواطن في المقدمة.
وحين يتحول الذهب إلى نور في الشوارع، وأمن في الأحياء، وحركة في الأسواق، عندها فقط يشعر المواطن بأن ثروات بلاده قد عادت إليه.
إنارة مئة ألف عمود ليست حلما بعيدا، بل مشروع ممكن، ينتظر إرادة تعرف قيمة الذهب، وقيمة الوطن، وقيمة الإنسان.
