أوقفوا نزيف الغلاء ================ ✍️ كتب/ حسن البصير
أوقفوا نزيف الغلاء
================
✍️ كتب/ حسن البصير

▪️في خضم أزمة معيشية قاسية أثقلت كاهل المواطن السوداني، لم يعد ارتفاع الأسعار مجرد موجة عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يستنزف دخول الأسر ويضاعف معاناتها. فالمواطن الذي يكابد من أجل توفير احتياجات أسرته الأساسية، يجد نفسه محاصراً بارتفاع أسعار السلع، وتكاليف النقل، وتعدد الرسوم والجبايات، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتسع الفجوة بين دخل المواطن وتكلفة معيشته.
▪️إن معالجة هذه الأزمة لا تكون بالمسكنات ولا بالقرارات المؤقتة، وإنما برؤية اقتصادية واضحة تضع الإنسان في مركز السياسات العامة. ومن أهم الخطوات العاجلة وقف الرسوم والجبايات غير المقننة على الطرق والمعابر والولايات، وتوحيد الرسوم الرسمية وإعلانها بصورة واضحة، حتى لا تتحول حركة السلع بين الولايات إلى سلسلة من الأعباء التي يدفع تكلفتها المواطن في نهاية المطاف. فكل جنيه يُضاف إلى تكلفة النقل أو التداول ينتقل في النهاية إلى سعر السلعة على رف السوق.
▪️وفي الوقت نفسه، تحتاج الأسواق إلى رقابة حقيقية ومنظمة تمنع الاحتكار والتلاعب والمضاربة في السلع الأساسية، مع تشديد الرقابة على حلقات الوساطة والتخزين غير المشروع التي تسهم في خلق ندرة مصطنعة ورفع الأسعار. كما ينبغي مراجعة السياسات النقدية والمالية بما يساعد على استقرار سعر الصرف والحد من المضاربات في العملة، لأن اضطراب قيمة الجنيه ينعكس سريعاً على أسعار الغذاء والدواء والنقل وسائر ضروريات الحياة.
▪️ولمعالجة التضخم بصورة مستدامة، ينبغي أن تقوم الدولة على رؤية اقتصادية متكاملة، تقوم على دعم الإنتاج المحلي، وتسهيل حركة التجارة، وتقليل تكلفة النقل والطاقة ومدخلات الإنتاج، وتوجيه الإنفاق العام نحو القطاعات المنتجة، وإعادة تنظيم الاستيراد بما يضمن توفر السلع الأساسية دون استنزاف الموارد.
▪️إن دعم صغار المنتجين والمزارعين وأصحاب الأعمال، وتوفير التمويل الميسر لهم، يمثل استثماراً في استقرار السوق وليس مجرد مساعدة مؤقتة.
إن المواطن لا يطلب المستحيل، وإنما يريد سوقاً منضبطاً، وسياسات عادلة، ودولة تحمي قدرته على الحصول على احتياجاته الأساسية بكرامة. والجباية التي تُضعف حركة التجارة وتزيد الأسعار قد تحقق مورداً آنياً، لكنها في المقابل تستنزف الاقتصاد وتثقل كاهل المواطن.
▪️ويبقى الأمل أن تدرك الدولة أن حماية المواطن ليست شعاراً يُرفع، وإنما مسؤولية تُمارس، وأن الاقتصاد لا يُقاس بما يُحصّل من جيوب الناس، بل بما يوفر لهم من أمنٍ معيشي وفرصٍ وإنتاج واستقرار. فالسودان اليوم أحوج ما يكون إلى سياسات تخفف عن الناس لا إلى أعباء جديدة، وإلى دولة تضبط السوق قبل أن تضبط المواطن. وليكن الإصلاح الاقتصادي بدايةً لاستعادة الثقة، وإعادة بناء الإنتاج، وصون كرامة المواطن؛ فحين يئنُّ الناس من ضيق المعيشة، تكون الرحمة بهم واجباً، ويكون إنقاذ معيشتهم أولويةً لا تحتمل التأجيل.
