الجُوعُ لا يُسَاوِم! بقلم ✍️: حسبو علي بخيت
الجُوعُ لا يُسَاوِم!
بقلم ✍🏼: حسبو علي بخيت

ثَمّةَ شبحٌ ثقيلٌ يمدّ ظلاله على السودان، وشبحُ الجوع إذا أقبل لا يستأذن أحدًا، ولا يطرق أبواب الأحزاب، ولا ينتظر بيانات السياسيين، ولا يعترف بمؤتمراتٍ ولا منصاتٍ ولا شعاراتٍ ولا حوارٍ سودانيٍّ سودانيٍّ يقوده من بلغوا من الكِبَرِ عتيًّا.
الجائع لا يقرأ بياناتكم!
هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تُقال، رغم قساوتها، بلا رتوش، ولا مجاملة، ولا نفاق سياسي.
فالرجل الذي خرج يبحث عن لقمةٍ لأطفاله، والأم التي باتت تحسب ما تبقّى من قوتها، والموظف الذي عجز راتبه عن شراء أبسط ضروريات الحياة، والفقير الذي صار يواجه الغلاء كل صباح وكأنه يواجه معركةً جديدة؛ هؤلاء جميعًا لا تعنيهم كثيرًا معارك النخب السياسية حول المقاعد والمواقع والنفوذ.
قبل الجوع، قد يكون الإنسان سياسيًا بارعًا؛ يناقش، ويجادل، ويهتف، ويختلف، وينتصر لرأيه.
أما حين يشتد الجوع، فإن السياسة تنكمش في عينيه حتى تصبح شيئًا بعيدًا، ويصبح السؤال الأول والأخير:
أين الخبز؟
أين الدواء؟
أين الأمان؟
وأين الدولة؟
وهنا تبدأ الكارثة.
فالدولة التي تعجز عن حماية لقمة العيش لمواطنيها، وتترك الأسواق تنهش دخلهم ومدخراتهم، وتراقب اتساع دائرة الفقر دون حلول حقيقية، إنما تفتح بيديها أبوابًا لا تعرف إلى أين تقود.
الجوع أخطر من المعارضة، وأشد من الخصومة السياسية، وأسرع من كل الخطب في صناعة الغضب.
ولذلك نقولها بصوتٍ عالٍ:
كفى… كفى… كفى!
كفى مناكفاتٍ لا تُطعم جائعًا، ومزايداتٍ لا تُعيد مريضًا من باب المستشفى، وخطاباتٍ طويلة لا تجد فيها الأسرة ما تسدّ به رمق أطفالها.
وكفى أن يتعامل بعض أهل السياسة مع السودان وكأنه غنيمةٌ تتنازعها الأطراف، لا وطنٌ ينزف ويحتاج إلى من ينقذه.
اتقوا الله في السودان!
وابحثوا عن نصيب المواطن من الحياة الكريمة.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الذين يجيدون الكلام، وإنما يحتاج إلى رجالٍ يجيدون العمل.
لا يحتاج إلى من يسأل:
من يحكم؟
بل يحتاج إلى من يسأل:
كيف يعيش الناس؟
إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه القوى السياسية والعسكرية والمدنية اليوم ليس أن يهزم بعضها بعضًا، وإنما أن تنتصر جميعًا للسودان.
فالاختلاف السياسي سنة، أما انهيار الوطن فمأساة.
والسلطة زائلة، والمقاعد زائلة، والأسماء زائلة، أما السودان، فإن ذهب، فلن تعيده البيانات، ولن تنفع بعد ضياعه الخطب، ولا عضُّ أنامل الندم.
يا أهل السودان، لا تتركوا الجوع يصنع مستقبل البلاد نيابةً عنكم.
أنقذوا الاقتصاد.
افتحوا أبواب العمل.
أوقفوا نزيف الأسعار.
أوقفوا تدهور العملة السودانية.
احموا الإنتاج.
أعيدوا للدولة هيبتها، وللمواطن كرامته، وللأسرة السودانية شيئًا من الطمأنينة والاستقرار النفسي والجسدي.
فالجوع لا يعرف المجاملة، ولا يفهم لغة الدبلوماسية، ولا يقبل الوعود المؤجلة.
الجوع يريد خبزًا اليوم، لا وعدًا بالغد.
وإذا استمر تجاهل هذا الخطر، فقد يأتي يوم لا يسأل فيه الناس عن بياناتكم، ولا عن خلافاتكم، ولا عن شعاراتكم؛ لأن الإنسان حين يفقد كل شيء، يصبح أول ما يبحث عنه هو حقه في أن يعيش.
فلا تنتظروا حتى يصبح اليأس لغة الشارع.
تكاتفوا قبل أن يفوت الأوان.
إن المعركة الحقيقية الآن ليست بين هذا الطرف وذاك، ولا بين هذه القوة وتلك؛ وإنما هي معركة بين إنقاذ السودان وضياعه.
ومن يملك اليوم القدرة على إنقاذ الوطن ثم يتأخر، سيكتب التاريخ اسمه في الصفحة التي لا يحب أحد أن يقرأها.
فمعاش الناس وقوتهم، وتوفير الأمن من الخوف والأمن من الجوع، ليست قضيةً اقتصاديةً وأمنيةً فحسب؛ إنها قضية أمنٍ وكرامةٍ وبقاء وطنٍ من التفتيت والانهيار.
والسودان لا يحتمل أن يُجرَّب فيه المزيد من الفشل.
أنقذوا الوطن قبل أن يصبح الجوع هو السياسي الأقوى في السودان!
