منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

بَيْنَ رَائِعَةِ سَيِّدِ خَلِيفَةَ يَا عَصَّارَ المَفَازَةِ وَصَدْمَةِ رِكْشَةٍ ================= ✍️ كتب حسن البصير

0

بَيْنَ رَائِعَةِ سَيِّدِ خَلِيفَةَ يَا عَصَّارَ المَفَازَةِ وَصَدْمَةِ رِكْشَةٍ
=================
✍️ كتب حسن البصير

▪️قرأتُ ما كتبه الزميل ياسر الفادني وهو يتحسر على المستوى الذي انحدرت إليه بعض أغنيات “القونات”، وكيف صار الذوق العام يرقص على إيقاع كلمات هشة لا تحمل معنى ولا تصنع وجدانًا. ابتسمت أولًا، ثم تنهدت؛ لأننا في الحقيقة أمام معركة قديمة تتجدد دائمًا: معركة الكلمة التي تبني الإنسان في مواجهة الكلمة التي تستهلك السمع ولا تترك أثرًا.
▪️يقول الفادني إن أغنية “حبيبي صدمتو الركشة” هزّت أعصابه، وأنا أقول له: يا صديقي، لو سمعتَ ما سمعته أنا في إحدى الليالي، لحمدتَ الله على الركشة!
كانت السهرة هادئة، حتى اخترق الصمت صوت مكبراتٍ تردد فيه المغنية كلمة “النار” مثل الببغاء عشرات المرات، ملصقةً بها أسماء العريس ووكيل العريس وأخو العروس، وحتى شخصًا يدعى “سوباجو”، فتتحول الأغنية إلى: النار يا أسامة… النار يا بكري… النار يا سوباجو! ، عندها سألت نفسي سؤالًا بريئًا: أما خطر ببال أحد من هؤلاء “المجبجبين” ــ كما وصفهم الفادني ــ أن للنار معنى آخر، وأن القرآن حدثنا عن نارٍ ليست موضعًا للغناء والترديد؟ نار أعدت للراقصين و الراقصات و الكاسيات العاريات
▪️ليس الاعتراض على الفرح، فالفرح حق أصيل للناس جميعًا، وإنما الاعتراض على أن يتحول إلى مصدر إزعاج وتلوث سمعي، يسيء إلى الذوق العام، ويبتعد عن قيم المجتمع وأخلاقه.
كان الغناء السوداني يومًا مدرسة في الأدب والذوق. استمع إلى أمير العود الفنان أحمد المصطفى وهو يشدو: “يا جميل يا معلم”، فتشعر أن الحب تربية قبل أن يكون عاطفة. واستمع إلى الفنان الجميل عثمان حسين في “ما ظنيتك تجفاني”، فتتعلم كيف يكون العتاب رقيقًا ومهذبًا. ثم أنصت إلى العطبراوي في “غدار دموعك”، فتدرك أن الوجع نفسه يمكن أن يرتدي ثوبًا من الوقار.هؤلاء لم يكونوا مطربين فحسب، بل كانوا صُنّاع وجدان، ومربين للأذن والروح.
▪️وللمقارنة العادلة، ضع أغنية “حبيبي صدمتو الركشة” إلى جوار رائعة سيد خليفة “يا عصار المفازة”، من كلمات الشاعر عمر الحسين، التي يمتدح فيها عمدة المفازة الشيخ عبد الله ود طه الرفاعي، فيقول:
شدوا ليك ركب فوق مهرك الجماح
ضرغام الرجال الفارس الجحجاح.
هنا صورة للفارس الذي يهابه الرجال، لا لمن تصدمه الركشة!
ثم يواصل:
السم النقوع اللي البدن نتاح
تمساح الدميرة الما بكتله سلاح.
ويبلغ الشاعر ذروة الإبداع حين يصور الكرم بلا ضجيج ولا استعراض:
المال ما بيهمك إن كتر وإن راح
أبواتك قبيل بحلوا لي العوجات
مطمورتك تكيل للخالة والعمات.
ويختمها بصورة سودانية خالصة تختصر معنى الكرم كله:
بابك ما انقفل
نارك تجيب اللم
ما بتعزم تقول غير استريح… حرم.
تأملوا الفرق.
هناك “نار يا فلان” تُردد بلا معنى، وهنا “نارك تجيب اللم”؛ نار الكرم التي تجمع الناس وتدفئ القلوب.
هناك ركشة تصدم، وهنا مهرٌ جماح يشد إليه الركب.
هناك كلمات تُستهلك في لحظة، وهنا مفردات تعيش في الذاكرة وتصنع الهيبة. أنا ندعو إلى مصادرة أحد، ولا إلى حملات منع أو إقصاء؛ فالفضاء مفتوح، ولكل فنان جمهوره. لكنني أدعو إلى أمر أبسط وأعمق: أن نربي أذن الجيل على السماع الجميل، كما نربيه على الطعام النظيف.
فالغناء السوداني لم يكن مجرد إيقاع يحرّك الأكتاف، بل كان ديوانًا يحفظ الشجاعة والكرم والمروءة، ويصوغ وجدان الناس بكلمةٍ راقية ولحنٍ أصيل.
فإذا ضاعت الكلمة… ضاع معها جزء من هوية الوطن.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.