البعد_الاخر د. مصعب بريــر قبل أن يصبح التعليم رفاهية… أنقذوا الحكومي بالتشارك لا بالصمت ..!
البعد_الاخر
د. مصعب بريــر
قبل أن يصبح التعليم رفاهية… أنقذوا الحكومي بالتشارك لا بالصمت ..!
في سوق أم درمان، كل شيء له صوت. الباعة ينادون، العربات تتصادم، والراديو يعلو من دكان صغير. لكن الشيء الأهم، ذلك الذي يقرر شكل البلاد بعد عشرين سنة، لا صوت له. إنه صمت الفصل الدراسي الذي تحوّل إلى مخزن، والسبورة التي صارت جداراً بلا معنى.
هذا ليس حديثاً عن الماضي. هذا حديث عن خسارة تحدث الآن، بصمت، في كل حي من أحياء السودان. جوهر القضية باختصار: المدارس الحكومية تتداعى، ونحن نبحث عن بديل يبدو جاهزاً، لكنه في الحقيقة ليس كذلك.
السبب الأول الذي يراه الجميع هو التمويل. الدولة لا تدفع، والمعلم يبحث عن لقمة عيشه في مكان آخر، والطالب يجلس على الأرض لأن المقعد انكسر منذ زمن. هذه هي الطبقة الظاهرة. طبيعي، بعد هذا، أن نرى هجرة جماعية نحو المدارس الخاصة والأهلية. من يملك المال يدفع، ومن لا يملك يبحث عن حلول مؤقتة. النتيجة الحتمية كانت أن التعليم الأساسي، الذي يُفترض أن يكون حقاً، صار سلعة.
لكن ما لا يُرى هو أن هذا ليس مجرد انهيار مالي. إنه انهيار في التصور. نحن نتعامل مع التعليم الحكومي كأنه عبء، لا كأنه أساس. والمفارقة أن التعليم الخاص لا يمكن أن يستوعب الجميع. هو لا يستوعبهم ليس لأن المباني ضيقة، بل لأن منطقه يقوم على الرسوم. لو دخل كل الطلاب إلى المدارس الخاصة، لانهارت، لأنها لا تعيش إلا على أموال أولئك القادرين على الدفع. هذا مثل الراجل الذي يصلح كبري سيارته كل يوم، بدل أن يسأل لماذا الطريق كله حفر.
هذا لا يعني أن نستسلم. هناك حلول عملية، بدأت تجاربها في أماكن كثيرة، محلياً ودولياً. أول هذه الحلول هو ابتداع مستوى تشاركي بين الحكومة وأولياء الأمور. ليس تبرعاً، بل شراكة. مجالس أولياء أمور لها سلطات محدودة، جمعيات تعاونية تعليمية، مساهمات بسيطة لكنها منظمة، وتحويل مدارس مختارة إلى مدارس نموذجية قريبة مما تقدمه المدارس الخاصة، لكن دون رسوم خيالية. هذا معناه شنو للمواطن في سوق ليبيا؟ معناه أن ابنه قد يجد معلماً مدرباً، وفصلاً نظيفاً، وبيئة تشبه ما يدفع فيه غيره أضعافاً. ومعناه أن الأمل لا يزال ممكناً، لكنه يحتاج تنظيماً، لا صدقة.
بعد اخير :
خلاصة القول، التعليم الحكومي ليس فكرة عابرة، إنه العمود الفقري لأي عدالة اجتماعية حقيقية. إذا تركنا التعليم الأساسي يموت ببطء، فلن نستطيع بعد ذلك إصلاح ما تبقى. كل التجارب التي راهنت على القطاع الخاص كبديل كامل فشلت، لأنها نسيت أن التعليم ليس سوقاً، بل حق.عندما يتحول الحق إلى سلعة، لا يخسر الفقراء فقط. البلد كله يخسر لأن مستقبله صار رهينة لجيوب قلة.
أخيرًا، الضوء في آخر النفق لن يكون قطاراً، إذا ما قررنا نحن أن نتحرك. لكن السؤال الذي يجب أن يبقى مؤلماً: كم من الأجيال ستنتظر حتى نقرر؟
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر |د. مصعب بريــر
musapbrear@gmail.com
