حين ينفصل العلم عن القيَّم… أزمة الهُويَّة بين المعرفة والحكمة ✍️: فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد
حين ينفصل العلم عن القيَّم… أزمة الهُويَّة بين المعرفة والحكمة
✍️: فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

العلم من أعظم نعم الله على الإنسان، وبه تُبنى الحضارات وتنهض الأمم، لكنه لا يبلغ غايته إلا إذا ارتبط بالأخلاق والقيم، لأن المعرفة إذا انفصلت عن الضمير قد تتحول إلى قوة مادية بلا بوصلة أخلاقية.
وقد أثار الجدل حول حظر أو التضييق على بعض الطالبات اللائي يرتدين الحجاب الشرعي أو اللباس المحتشم في بعض الجامعات تساؤلات جوهرية حول رسالة الجامعة وحدود اختصاصها، وحول العلاقة بين المؤسسات التعليمية وهوية المجتمع وقيمه.
فالجامعة ليست جهةً لتحديد قناعات الناس الشخصية أو أنماط لباسهم المشروع، وإنما هي منارة للعلم، وميدان للبحث العلمي، ومصنع للعقول والكفاءات.
ويبقى السؤال مشروعًا: ما علاقة الجامعة بالزي الذي ترتديه الطالبة، ما دام محتشمًا ولا يخل بسير العملية التعليمية ولا بالنظام العام؟
إن معيار الجامعة يجب أن يكون التفوق العلمي، والانضباط، والالتزام الأكاديمي، لا المظهر الشخصي أو اللباس الذي يختاره الإنسان عن قناعة. ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تطبق الإجراءات التنظيمية، كالتثبت من الهوية عند الحاجة، دون أن يتحول ذلك إلى تضييق على المعتقدات أو المظاهر الدينية.
إن التقدم الحقيقي لا يُقاس بطول الثياب أو قصرها، ولا بالحجاب أو السفور، وإنما يُقاس بما تنتجه الجامعات من علم، وما تخرجه من علماء، وما تغرسه من قيم، وما تقدمه من حلول لمشكلات المجتمع.
وليس كل ما يأتي من الغرب يُرفض، كما أنه ليس كل ما يأتي منه يُتبع دون تمحيص. فالحكمة تقتضي أن نأخذ من تجارب الأمم ما ينفعنا في ميادين العلم والتقنية والإدارة، وأن نحافظ في الوقت نفسه على ديننا وهويتنا وقيمنا وثقافتنا.
إن الانبهار غير النقدي ببعض المظاهر الثقافية، واعتبارها وحدها معيارًا للتحضر والتقدم، قد يعكس شعورًا بالدونية الحضارية أكثر مما يعكس ثقة بالذات، فالأمم الواثقة من هويتها تستفيد من خبرات الآخرين دون أن تفقد شخصيتها أو تتخلى عن ثوابتها.
ولعل من المفارقات أن عددًا من المفكرين الغربيين أنفسهم قد وجهوا نقدًا حادًا لبعض التحولات القيمية في مجتمعاتهم، ولم يترددوا في التحذير من آثارها على الأسرة والهوية والتماسك الاجتماعي. فقد ناقش المفكر السياسي الأمريكي باتريك جيه بوكانن في كتابه « موت الغرب» (The Death of the West) تحديات الشيخوخة السكانية، وتراجع الأسرة، والتحولات الثقافية والديموغرافية من منظوره السياسي. كما تناول المفكر الكندي آلان دونو في كتابه «نظام التفاهة» هيمنة السطحية وتراجع المعايير الفكرية والأخلاقية في بعض المؤسسات الحديثة.
ومن هنا فإننا نذكّر أصحاب الدرجات العلمية الرفيعة، ومَن نالوا أعلى الشهادات وأجروا البحوث المتقدمة، بأن العلم أمانة قبل أن يكون لقبًا أو منصبًا، وأن قيمة العالم لا تُقاس بما يحمل من شهادات فحسب، وإنما بما يتحلى به من عدل وتواضع واحترام لحقوق الناس.
قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
كما حذر سبحانه من الاغترار بالعلم إذا أورث الكبر وردَّ الحق، فقال: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر: 83].
وقال جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
فالعلم الذي لا يقود إلى الخشية، ولا يعزز العدل والرحمة، ولا يحترم هوية المجتمع وثوابته، يفقد جانبًا مهمًا من رسالته. أما العلم النافع فهو الذي يبني الإنسان، ويصون كرامته، ويجمع بين التقدم المادي والسمو الأخلاقي.
إن الأمم لا تُقاس بمقدار ما تُقلد غيرها، وإنما تُقاس بقدرتها على أن تُنتج المعرفة، وتحافظ على هويتها، وتأخذ من الحضارات الأخرى ما ينفعها، دون أن تذوب في غيرها أو تتنكر لقيمها ودينها.
والله ولي التوفيق
