منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الحرمان.. حين يصنعنا وحين يوجعنا ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0

الحرمان.. حين يصنعنا وحين يوجعنا
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف


ليس كل ما حرمنا منه في الحياة كان شرا، كما أن ليس كل ما حصلنا عليه كان خيرا.
فالإنسان لا ينضج فقط بما امتلك، وإنما ينضج أيضا بما انتظر، وبما تأخر عنه، وبما تعلم أن يصبر عليه.
والطفل، منذ سنواته الأولى، يحتاج إلى الحب، لكنه يحتاج كذلك إلى الحدود. يحتاج إلى الحضن، لكنه يحتاج أيضا إلى أن يسمع كلمة “لا”. فالحياة نفسها لن تقول له نعم في كل مرة، والتربية الحكيمة لا تعده بعالم بلا خيبات، وإنما تمنحه قلبا يستطيع احتمالها.
لهذا يوجد حرمان يبني.
حين يمنع الأب ابنه من شيء يحبه لمصلحته، أو تؤجل الأم رغبة طفلها حتى يتعلم الصبر، فإن ذلك ليس قسوة، بل درس مبكر في أن الرغبة شيء، والاستحقاق شيء آخر، وأن الإنسان لا يعيش أسيرا لكل ما يشتهي.
لكن هناك حرمانا آخر أكثر عمقا.
أن يحتاج الطفل إلى أن يسمع: “أنا فخور بك”، فلا يسمعها.
أن يبحث عن حضن فلا يجده.
أن يتكلم فلا يصغي إليه أحد.
أن ينجح، ثم يلتفت باحثا عن عين تفرح به، فلا يجدها.
هذا النوع من الحرمان لا يكسر الإنسان دائما، لكنه قد يترك بداخله فراغا صغيرا يكبر معه. وقد يتحول ذلك الفراغ إلى بحث دائم عن التقدير، أو خوف مبالغ فيه من الفقد، أو حاجة مستمرة إلى إثبات الذات.
أما أخطر الحرمان فهو ذلك الذي يهين الإنسان في طفولته: الهجر، والتخويف، والصمت العقابي، والتحقير، وكسر الكرامة.
فهنا لا يعود الطفل محروما من شيء، بل قد يبدأ في الشك في قيمته نفسها.
والفرق عظيم بين طفل يسمع: “تصرفك خطأ”، وطفل يشعر أن الرسالة الموجهة إليه هي: “أنت الخطأ”.
ألأولى تربي السلوك، والثانية قد تجرح الذات.
ولهذا فالتربية ليست أن نعطي أبناءنا كل شيء، وليست أن نحرمهم من كل شيء.
التربية أن يعرف الطفل، حتى عندما نمنعه، أنه محبوب.
وأن يشعر، حتى عندما نعاتبه، أن مكانه في قلوبنا لم يهتز.
فالحرمان الذي تحيطه المحبة قد يصنع شخصية قوية، أما الحرمان الذي تصاحبه القسوة فقد يترك في القلب سؤالا يظل صاحبه يبحث عن إجابته سنوات طويلة:
هل كنت أستحق الحب؟
وأجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ألا نجعلهم يكبرون وهم يبحثون عن إجابة لهذا السؤال.
فالإنسان يستطيع أن يتحمل كثيرا من الحرمان، إذا بقي داخله يقين واحد لا يتزعزع:
أن هناك من يحبه، حتى حين يقول له: لا.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.