ضوء السودان القادم: لتُصبح الشمس عماد النهضة والتعافي د. إسماعيل الحكيم
ضوء السودان القادم: لتُصبح الشمس عماد النهضة والتعافي
د. إسماعيل الحكيم
تتجسّدُ أهليّة الدول في قدرة قياداتها على استيلاد المخرج من قلب الأزمة، وتحويل الاختناقات الخدمية الحادّة إلى منصات انطلاقٍ نحو المستقبل. ويجيءُ القرار الحكومي الأخير باعتماء الطاقة الشمسية مصدراً أساسياً لتوليد الكهرباء كاستجابةٍ واعية لجسيم المسؤولية، ومدخلاً استراتيجياً لمعالجة أعتى أزمة خدمية واقتصادية عانت منها البلاد. فهذا التحول لا يمثل حلاً إسعافياً لمعضلة انقطاع التيار فحسب، إنما يُعدّ إعلاناً صريحاً لدخول السودان عصر الطاقات البديلة والمستدامة، متناغماً مع التوجه العالمي الذي يتسابق نحو استغلال ركائز الطاقة النظيفة من شمس ورياح ومياه وباطن الأرض لضمان الرفاهية والاستقرار.
وتتضاعفُ أهمية هذا القرار بالنظر إلى ما يمتلكه السودان من مقومات جغرافية استثنائية؛ إذ تُصنّف أرضه ضمن أعلي أقاليم العالم في معدلات الإشعاع الشمسي، بمعدل سطوع يتجاوز 3000 ساعة سنوياً ، وبكثافة طاقة تتراوح بين 5.5 إلى 7 الكيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً . هذه الأرقام الضخمة تعني أن اعتماد الشمس لم يكن مجاراة لنزعة بيئية عالمية، بل هو استثمارٌ في موردٍ سيادي غير قابل للنفاذ، يُقلل التلوث، ويُخفض كلفة الإنتاج الباهظة للكهرباء التقليدية التي تعتمد على الوقود المستورد، ناهيك عن تحييد الانبعاثات الكربونية بنسبة تتجاوز 40% مقارنة بالمحطات الحرارية.
إن هذه الخطوة تشكل مدماكاً راقياً في عمود البناء الوطني لمرحلة ما بعد الحرب؛ إذ إن وضع البنية التحتية للطاقة على سكة الاستدامة يُسهم في تشغيل القطاعات الإنتاجية المعطلة—وعلى رأسها الزراعة والصناعة—بتكلفة تشغيلية منخفضة وذات استمرارية عالية. وحين تنظر الحكومة إلى الطاقة الشمسية بعين الحصافة والاستراتيجية، فإنها تؤسس لنهضةٍ حقيقية تنبع من مجابهة التحديات القاسية ببدائل ذكية، وتصنع من القيظ الذي يلف أرجاء البلاد بشارة نماء، ونوراً يمتد بامتداء الحياة.
إن النجاح الحقيقي لهذا التحول الاستراتيجي لا يكتمل بالقرارات الحكومية والتخطيط المؤسسي وحدهما، ولكنه يظل مرهوناً بالوعي المجتمعي والشراكة الوطنية الفاعلة. فالطاقة البديلة ليست مشروع دولة فقط ، إنما هو ثقافة وطن وركيزة استقرار لكل بيت سوداني؛ ومسؤولية المواطن اليوم تتجلى في احتضان هذه المبادرة، وحماية استثماراتها، وترشيد استهلاكها، والاتجاه نحو تبني حلول الطاقة النظيفة في المنازل والأنشطة التجارية والمزارع. فإن الوقوف خلف هذا الخيار الوطني الصائب هو إسهام مباشر في تسريع عجلة التعافي، وتخفيف العبء عن الشبكة العامة، وبناء سودانٍ يعتمد على موارده الذاتية والمستدامة. ولنجعل من شمسنا التي طالما غمرت أرضنا بالدفء مصدرًا لنورنا ونهضتنا، ولنكن جميعاً شركاء في صنع مستقبلٍ أكثر إشراقاً وأماناً لأجيالنا القادمة.
