منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

   لو جنيتو… قولوا جنّينا! لا مكان للخراب بين أهل السودان د. الشاذلي عبداللطيف

0

لو جنيتو… قولوا جنّينا!

لا مكان للخراب بين أهل السودان

✍️د. الشاذلي عبداللطيف

في السودان، يبدو أن بعض الناس لم يفهموا بعد أبسط قواعد الحياة: من أحرق البيت لا يصبح تلقائيا صاحب حق في غرفة الضيوف، ومن نهب الدار لا يطلب بعد ذلك مفتاحها، ومن برر الخراب لا يعود لأهل البيت ليقول لهم بكل هدوء: جئت لأدير شؤونكم.
يا سلام!
هو هدم، ونحن نرمم.
هو برر، ونحن نتذكر.
هو غادر، ونحن بقينا نحمل الوطن على أكتافنا.
ثم يعود إلينا بعد كل ذلك، وفي يده ملف أنيق مكتوب عليه: “مشروع الحكم.”
لو جنيتو… قولوا جنّينا!
أما أن تتصوروا أن السودان بلا ذاكرة، فهذه نكتة ثقيلة حتى على بلد عرف كل أشكال المأساة.
قتل، ونهب، وسلب، واقتحام بيوت، وتشريد أسر، وانتهاك حرمات، وتخريب مرافق، وتعطيل حياة الناس، ثم جاء من يشرح للشعب أن كل ذلك مجرد “مرحلة سياسية معقدة”.
مرحلة؟
إذا كان هذا مجرد مرحلة، فماذا يكون الخراب الكامل؟
ثم يقفون اليوم بربطات عنق أكثر أناقة من ماضيهم، ويتحدثون عن الدولة، والإعمار، والاستقرار، وعودة النازحين.
من شرد الناس يريد أن يعيدهم.
ومن وقف قريبا من الخراب يريد أن يبني.
ومن وجد لكل كارثة عذرا يريد أن يقدم نفسه باعتباره جزءا من الحل.
هذه ليست سياسة.
هذه مسرحية عبثية، والمشكلة أن الجمهور يعرف الممثلين، ويعرف أدوارهم القديمة، ويحفظ حتى طريقة خروجهم من المشهد.
وفي الوقت الذي كان فيه الجيش يقف في الميدان، يواجه الخطر ويحمي بقاء الدولة وسيادتها، كان آخرون يمارسون رياضة أكثر راحة: التنقل بين العواصم، والبيانات، والمنصات.
الجندي أمام الرصاص.
وهم أمام الكاميرا.
الجندي يسأل: كيف نحمي الوطن؟
وهم يسألون: أين الاجتماع القادم؟
ثم، حين هدأ الغبار قليلا، اكتشف بعضهم فجأة أنه كان طوال الوقت من أبناء الوطن الأوفياء!
سبحان مغير المواقف.
ذهبوا إلى لندن، فوجدوا السودانيين هناك.
ذهبوا إلى برلين، فوجدوا الذاكرة قد سبقتهم.
وفي عواصم أخرى، اكتشفوا أن السوداني لا يسافر بجوازه فقط، بل يحمل معه ذاكرة بيته، وأسماء من فقدهم، وصور النزوح، وسؤالا ثقيلا لا تزيله المسافات.
وهنا المشكلة الكبرى:
السودان ليس مجرد جغرافيا يمكن العودة إليها بتذكرة طيران.
السودان ذاكرة.
وسؤال الشعب أشد من ختم الجواز.
فإذا كان بعضهم قد واجه رفضا وغضبا في الخارج، فكيف يتصور أنه سيهبط في الخرطوم وكأن التاريخ أغلق ملفه؟
هل سيقول لصاحب المنزل المنهوب: صباح الخير، جئت أطلب صوتك؟
وهل سيحدث النازح عن الاستقرار؟
وهل سيطلب ممن فقد أهله أن “يتجاوز الماضي”؟
تجاوزوه أنتم أولا.
أما الشعب، فله ذاكرته.
ولهذا نقولها بوضوح:
لا مكان سياسيا ولا أخلاقيا في مستقبل السودان لمن ارتبط موقفه بتبرير قتل الناس ونهبهم وتشريدهم أو منح ذلك الخراب غطاء، ثم رفض مواجهة مسؤوليته عنه.
هذا ليس دعوة إلى انتقام.
فالعدالة والقانون هما الفيصل.
لكن المصالحة شيء، وإعادة تدوير الخراب شيء آخر.
والسلام شيء، ومنح الجوائز السياسية لمن أساء إلى الوطن شيء آخر.
والغفران، إن جاء، حق للضحايا، لا بندا يوقعه السياسيون في فندق بعيد.
أما من يفكر في الحضور إلى السودان وهو يتوهم أن ذاكرة الناس ماتت، فعليه أن يعيد حساباته جيدا.
الشعب لن يستقبله بالنسيان.
سيستقبله بالأسئلة.
وسيضع أمامه سجل الحرب، صفحة صفحة، وبيتا بيتا، وجرحا جرحا.
ومن ظن أن الغضب الذي واجهه بعض أصحاب الخطابات في الخارج كان نهاية القصة، فليعلم أن الداخل أقرب إلى الألم، وأشد معرفة بمن وقف أين ساعة المحنة.
لا نهدد أحدا، ولا ندعو إلى عنف.
لكننا نحذر من وهم أخطر من كل الأوهام:
أن يظن أحد أن الدخول إلى السودان يعني الدخول إلى قلوب السودانيين.
قد تفتح المطارات أبوابها.
قد تمنح التصاريح.
قد تحرس القاعات.
لكن لا حكومة في الدنيا تستطيع أن تحمي سياسيا من حكم الذاكرة الشعبية.
فمن يفكر في العودة، فليأت مستعدا للإجابة، لا للمحاضرة.
مستعدا للمساءلة، لا للتباهي.
مستعدا لسماع الضحايا، لا لإخبارهم كيف ينبغي أن يتذكروا.
فالخطر الحقيقي على من خان ثقة الناس ليس هتافا في شارع، بل أن يقف أمام شعب كامل يقول له في هدوء:
نحن نعرفك… ونعرف أين كنت.
وهذه في السياسة أقسى من ألف منصة.
لا تراهنوا على أن الشعب تعب.
التعب لا يمحو الذاكرة.
ولا تراهنوا على طول الحرب.
طول المأساة لا يجعل الناس تنسى بدايتها.
ولا تراهنوا على تغيير الأسماء والشعارات والتحالفات.
يمكنكم تغيير اسم التحالف كل صباح.
لكن لا يمكنكم تغيير ذاكرة أم فقدت ابنها.
يمكنكم تغيير الفندق.
لكن لا يمكنكم تغيير تاريخ الموقف.
يمكنكم تغيير الميكروفون.
لكن لا يمكنكم تغيير السؤال:
أين كنتم عندما كان السودان يحتاجكم؟
هذا هو الامتحان الحقيقي.
أما الحكم، فليس جائزة ترضية.
والسودان ليس فندقا تغادره أثناء الحريق، ثم تعود بعد الإطفاء لتسأل عن الجناح الرئاسي.
ومن يريد العودة إلى المشهد، فعليه أولا أن يجيب للشعب، لا أن يطلب من الشعب أن ينسى.
أما من يتخيل أنه سيعود ليجد السودان كما تركه، والشعب كما يتمنى، والذاكرة في إجازة…
فنقول له للمرة الأخيرة:
لو جنيتو… قولوا جنّينا!
أما الشعب السوداني، فذاكرته لم تجن بعد.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.