منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

الشرطة المجتمعية وفن الابتسامة* ✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

0

الشرطة المجتمعية وفن الابتسامة*
✍️ : _فريق شرطة حقوقي محمود قسم السيد

الشرطة المجتمعية ليست مجرد إجراءات أمنية، بل فلسفة تقوم على بناء الثقة والشراكة بين الشرطة والمجتمع. ومن أهم أدوات هذه العلاقة الإنسانية: حسن التعامل، والكلمة الطيبة، والابتسامة، قال تعالى﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا :[البقرة: 83]
فالعلاقة بين رجل الشرطة والمواطن لا ينبغي أن تقوم على الخوف والرهبة وحدهما، وإنما على الاحترام والثقة والتعاون.
الحزم لا يعني العبوس
طبيعة التدريب الشرطي والعسكري تغرس في رجل الشرطة الانضباط واليقظة والحزم وسرعة الاستجابة، وهي صفات ضرورية للعمل الأمني. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل لغة الميدان والعمليات إلى التعامل اليومي مع المواطن.
فليس المطلوب من رجل الشرطة أن يتخلى عن هيبته، وإنما أن يعرف متى يكون حازماً ومتى يكون ليناً.
الحزم مع الجريمة، والرحمة مع الإنسان، والاحترام مع المواطن، والهيبة مع القانون.
والقرآن الكريم يقدم لنا نموذجاً رائعاً في الجمع بين القيادة والهيبة والابتسامة. فقد كان سيدنا سليمان عليه السلام ملكاً وقائداً، ومع ذلك يقول تعالى:﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾:[النمل: 19]
فالابتسامة لم تنتقص من هيبته، كما أن هيبته لم تمنعه من الابتسام.
«بريش»… رجل المرور الذي أحبّه الناس
ومن أجمل الأمثلة التي تختصر هذه الفكرة تجربة المساعد رجل المرور المعروف بلقب «بريش»، الذي كان يعمل في تقاطع شارع القصر مع شارع البلدية.
كان «بريش» يؤدي عمله بكفاءة ومرونة، وينظم حركة المركبات والمشاة بانسياب ودقة، حتى بدا وكأنه يقود سيمفونية مرورية؛ يفتح الطريق في الوقت المناسب، ويوقفه في اللحظة المناسبة، ويتابع حركة التقاطع بيقظة وحضور.
لكن أكثر ما ميّزه كان الابتسامة التي لا تفارق وجهه، وإذا تأخر أحد سائقي المركبات في التحرك، كان يناديه بطريقته المحببة:
« أصحى يا بريش!»
عبارة بسيطة، فيها تنبيه وروح دعابة، لكنها كانت تؤدي الغرض؛ فينتبه السائق، تتحرك المركبة، ويستمر انسياب المرور.
ومع مرور الزمن أصبح «بريش» محبوباً لعامة الناس، يعرفه السائقون والمارة وأصحاب المركبات، بل كان معروفاً لدى الوزراء وكبار القادة الذين تمر مركباتهم من ذلك التقاطع.
لم تكن شهرته بسبب رتبة عالية أو منصب كبير، وإنما بسبب كفاءته وحسن تعامله وروحه الإنسانية.
وهنا يكمن الدرس:
قد تجعل الرتبة الناس يعرفونك، لكن حسن التعامل هو الذي يجعلهم يحبونك.
الابتسامة… لغة لا تحتاج إلى ترجمة
الابتسامة لغة إنسانية يفهمها الجميع، وهي لا تحتاج إلى مترجم.
وقد قال النبيﷺ:«تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة».
وفي العمل الشرطي يمكن أن تكون الابتسامة أكثر من مجرد سلوك اجتماعي؛ فهي قد تكون مدخلاً للتواصل، وبناء الثقة، وتهدئة المواقف، وتشجيع المواطن على التعاون.
فإذا شعر المواطن بأن رجل الشرطة يحترمه، يصبح أكثر استعداداً للاستماع والتعاون وتقديم المعلومات التي تساعد في حفظ الأمن.
قال تعالى:﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾: [فصلت: 34]
« *إذا كنت لا تعرف كيف تبتسم فلا تفتح متجراً»
ومن الحكم الصينية المتداولة:*
« إذا كنت لا تعرف كيف تبتسم، فلا تفتح متجراً.»
فإذا كان التاجر يحتاج إلى الابتسامة لكسب ثقة الزبون، فإن رجل الشرطة أحوج إليها؛ لأنه لا يتعامل مع زبون عابر، وإنما مع مواطن هو شريك في حفظ الأمن.
ومن هنا فإن تدريب رجل الشرطة على فن التعامل مع الناس، وحسن الاستماع، وضبط الانفعال، والابتسامة، ليس ترفاً، بل جزء من الاحتراف الشرطي وبناء الصورة الذهنية الإيجابية للشرطة
لقد كان «بريش» يقدم، دون محاضرات أو تنظير، درساً عملياً في الشرطة المجتمعية: ينظم المرور، يحافظ على النظام، ويكسب محبة الناس في الوقت نفسه،
وهذه هي المعادلة التي نحتاج إلى ترسيخها:
شرطة قوية في القانون، إنسانية في التعامل، قريبة من المجتمع، ومحل ثقة الناس.
فالابتسامة لا تُسقط هيبة رجل الشرطة؛ بل تجعل الهيبة أكثر إنسانية.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.