منصة السودان الأولى
التواصل الاجتماعي

     معالي وزير الشئون الدينية والأوقاف.. أعيدوا للمجتمع فريضة الأمر بالمعروف    رؤية شرعية وأمنية لمشاركة المجتمع في حماية القيم ومقاصد الشريعة    د. الشاذلي عبداللطيف

0

    معالي وزير الشئون الدينية والأوقاف.. أعيدوا للمجتمع فريضة الأمر بالمعروف
   رؤية شرعية وأمنية لمشاركة المجتمع في حماية القيم ومقاصد الشريعة
   ✍️د. الشاذلي عبداللطيف

معالي وزير الشئون الدينية والأوقاف،
إن المجتمع لا يحرسه القانون وحده، كما أن الدولة لا تستطيع أن تضع شرطيا خلف كل مواطن. وبين الضمير والقانون مساحة عظيمة اسمها المسؤولية المجتمعية، وهنا يقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوصفه واحدا من أعظم مبادئ الإصلاح في الشريعة الإسلامية.
قال تعالى:
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
هذه الآية ليست خطابا للمنابر وحدها، وإنما فلسفة لبناء مجتمع يشارك في حماية نفسه، ويقف أمام أسباب الانحراف قبل أن تتحول إلى جرائم تستنزف الشرطة والنيابة والقضاء والسجون.
معالي الوزير،
السودان الخارج من الحرب لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل يحتاج إلى إعادة إعمار الضمير.
فالشريعة الإسلامية عندما قررت مقاصدها الكبرى في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، كانت تؤسس في حقيقتها لمنظومة متكاملة للأمن الإنساني والمجتمعي.
حفظ العقل يعني مواجهة المخدرات والمسكرات.
وحفظ النفس يعني محاربة القتل والعنف والترويع.
وحفظ المال يعني التصدي للسرقة والنهب والرشوة والغش والفساد.
وحفظ العرض يعني حماية الأسرة والمرأة والطفل وكرامة الإنسان.
وحفظ الدين يعني نشر الاعتدال ومواجهة الغلو والتطرف والجهل.
فلماذا لا تتحول هذه المقاصد إلى مشروع مجتمعي مؤسسي تقوده وزارتكم؟
نحتاج إلى حضور منظم للقيم داخل الأحياء والأسواق والمدارس والجامعات والمرافق العامة.
حضور لا يقوم على التجسس على الناس، وإنما على الإرشاد والوقاية والإصلاح.
حضور يرى الشاب قبل أن يصل إليه تاجر المخدرات، ويسمع الخلاف الأسري قبل أن يتحول إلى جريمة، وينبه التاجر قبل أن يصبح الغش ثقافة، ويذكر الموظف بأن المال العام أمانة لا غنيمة.
ذلك هو المعنى الحقيقي للأمن الوقائي.
وأرى أن تنشئ الوزارة منظومة مجتمعية مؤهلة، تضم دعاة ومرشدين وأئمة وشخصيات مشهودا لها بالسيرة الحسنة، يتم تدريبهم شرعيا وقانونيا واجتماعيا، ويعملون بالتنسيق المباشر مع الشرطة والسلطات المختصة.
وظيفتهم الدعوة إلى المعروف.
والنهي عن المنكر بالحكمة.
والإصلاح بين الناس.
والتوعية بالمخدرات والجريمة والانحراف.
ورصد الظواهر المجتمعية السالبة.
وإحالة كل ما يحمل شبهة جنائية إلى أجهزة العدالة.
فالمواطن نفسه يجب أن يكون شريكا في حفظ أمن حيه، والمسجد شريكا في حماية الشباب، والأسرة خط الدفاع الأول، والمجتمع عينا واعية على مصالحه.
ولكن الأمر يحتاج إلى ضوابط حاسمة.
لا قبض خارج القانون.
لا تفتيش دون سلطة مختصة.
لا اقتحام للخصوصيات.
لا تشهير بالناس.
لا اجتهاد شخصي في العقوبات.
فالشرع الذي أمر بالمعروف هو ذاته الذي قال:
﴿ولا تجسسوا﴾.
والشريعة التي جاءت لحماية الفضيلة جاءت كذلك لحماية كرامة الإنسان.
وهنا يجب ألا نرتكب خطأ اختزال المنكر في المظهر الشخصي.
المنكر ليس فقط ما نراه في الطريق.
الرشوة منكر.
ونهب المال العام منكر.
والغش منكر.
والاحتكار منكر.
واستغلال المنصب منكر.
والواسطة التي تهدر الحقوق منكر.
وظلم المواطن منكر.
والتستر على المفسدين منكر.
بل ربما كان المنكر الذي يرتكب خلف مكتب أخطر على الدولة من سلوك فردي عابر في الشارع.
لذلك يجب أن يبدأ المعروف بالعدل.
وأن يبدأ النهي عن المنكر من حيث يكون الضرر أكبر.
فلا معنى لمنظومة تراقب الضعيف وتهاب القوي.
معالي الوزير،
أقترح أن تبدأوا بتجربة محدودة في عدد من المدن والأحياء، وفق لائحة واضحة، وتدريب صارم، وإشراف مشترك، وآلية للشكاوى والمحاسبة.
ثم تقاس النتائج لا بعدد من تمت ملاحقتهم، بل بانخفاض المخدرات، وتراجع الجريمة، وزيادة المصالحات، وتحسن السلوك العام، وتعاظم احترام المال العام وحقوق الناس.
فالمقصد ليس زيادة العقوبات.
المقصد أن نقلل الحاجة إليها.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مراقبة لحياة الناس، بل بناء لمنظومة مجتمعية تحرس الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وتمنع أسباب الجريمة قبل أن تحتاج الدولة إلى العقوبة.
معالي الوزير،
افتحوا هذا الباب للنقاش.
اجمعوا علماء الشريعة والقانون ورجال الأمن والاجتماع والتربية.
وابنوا نموذجا سودانيا حكيما، يستمد مرجعيته من الشريعة، وقوته من المجتمع، وحدوده من القانون.
فالأمن الذي يبدأ بعد وقوع الجريمة أمن متأخر.
أما الأمن الذي يبدأ من الضمير والمسجد والأسرة والحي، فهو أمن يصنع الاستقرار قبل أن تضطر الدولة إلى فرضه.
أعيدوا للمجتمع مسؤوليته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بالحكمة والعدل والقانون؛ فحين تحرس القيم المجتمع، يصبح المجتمع نفسه شريكا في حراسة الدولة.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.