الميل أربعين يوم انتصر الدم على الدبابة بقلم: ناصر الفاتح
الميل أربعين
يوم انتصر الدم على الدبابة
بقلم: ناصر الفاتح

الميل أربعين لم تكن معركة عابرة.. كانت فرقاناً بين عقيدتين وبرزخاً بين مشروعين.. كان يوماً صاح فيه الإيمان في وجه العتاد فانتصر الإيمان ولو تقطعت الأجساد.
إنها بدر ثانية وقادسية أخرى وعين جالوت جديدة.. سطر فيها شباب السودان المسلم سفراً من التضحية والفداء. وملحمة من البسالة والرجولة والثبات.
“الدبابات جات والدبابين جو” قالها الشهيد علي عبد الفتاح وهو يرى جحافل الحديد تزحف نحوه فما لان وما وهن.
“إما أن أدخل بكم التاريخ من أوسع أبوابه. وإما أن أدخل بكم الجنة من أوسع أبوابها” بهذا هتف القائد آدم ترايو في فتيانه.
هناك.. على تخوم الإستوائية على طريق نمولي. تقطعت أجساد شباب آمنوا بأن الدين كله لله. وهم يوقفون بصدورهم العارية دبابات جاءت لتعلن قيام دولة “الأماتونج” على ضفاف نهر الجبل. بينما كانت وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت تنتظر في كمبالا لتذيع بيان قيامها.
تقطعت أجسادهم أشلاءً ممزقة على تراب الاربعين ميل. لكنها صعدت إلى بارئها أرواحاً مطهرة شامخة خالدة.
ذهبوا وقول السر قد همسوه جهراً أربعين.
ذهبوا وتركوا للأجيال درساً بليغاً أن معركة العقيدة لا تقاس بعدد ولا عتاد. وأن شباباً تربوا على أن طريق الجنة مفروش بالأشلاء والجماجم لا يهزمون أبداً.
ثم جاء من بعدهم خلف صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فقدموا النموذج الأوفى في التضحية والفداء من أجل كرامة هذا الوطن وعزته في معركة الكرامة وبذلوا دماءهم رخيصة ليبقى السودان عزيزاً شامخاً.
ثم يأتي بعد كل هذه الدماء وكل هذه التضحيات الجسام من لا ذكر لهم ولا أثر. من العاجزين القاعدين ليقولوا نعم للحوار الوطني.. لكن إلا هؤلاء؟
يا عجبي ويا للسخرية!
بربكم إذا لم يكن الحوار الوطني بهؤلاء الذين دفعوا الثمن وقدموا المهج والأرواح فبمن يكون إذن؟
أيها الغافلون الواهمون أفيقوا. فالتاريخ لا يكتبه العاجزون. إنما يكتبه من سالت دماؤهم في الميل أربعين. وفي المهندسين والمدرعات وسنار وفى سهول كردفان وفي تحرير الخرطوم والقصر الجمهوري.
